للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولكي يصون الإنسان نفسه من الانحراف عن هذا الخط لابد له من قدوة عملية يلتزم سبيلها في سلوكه، وقد حدد له هذه القدوة في اتباع المنيبين إليه من الأنبياء والأصفياء السالكين على خطاهم. والبرّ بالوالدين، ومتابعة الصالحين، مع التوحيد الخالص، أساس التربية القويمة التي تضبط مسيرة الفرد في الطريق الأمثل، يضاف إلى ذلك تذكره الدائم للمصير الذي هو منته إليه بعد هذه الحياة الزائلة، حيث يرى ما عمله من خير محضراً، وما عمله من سوء يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً. وأولى ثمار هذه التربية تكوين المراقبة الداخلية لأعمال الفرد، وهو ما نسميه بالضمير، إذ يتجنب كل زيغ عن الجادة، لأن كل حركاته وسكناته مُحصى عليه من قبل اللطيف الخبير، الذي لا يفوته كبير ولا صغير.

وهنا يأتي القسم الثاني وفيه تتلاحق الأوامر والنواهي: أمراً بالصلاة التي هي معراج المؤمن إلى الملأ الأعلى وكأنها مواقف حساب يومي، يعرض فيها نفسه وعمله على ربه فيستغفره لما أصاب من الهفوات، ويستمده العون على ما وفق إليه من الحسنات. ثم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصبر على المصائب.. كل أولئك نتائج طبيعية لتلك المقدمات، لأن الإنسان الذي زود بكل هاتيك الفضائل بات مؤهلا للإسهام في توجيه المجتمع بالدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شرّ ولا يطيق ذلك إلا بالصبر الذي يحبب إليه الثبات واجتياز العقبات. والصبر في حقيقته قوة لا تتاح إلا لأولي العزم، فليكن إذاً واحداً من أتباعهم وليتحمل في سبيل الله ما تحمله الأولون من أتباع النبيين، وما يتحمله حتى اليوم أتباعهم بإحسان في سجون الملاحدة والظالمين.. وإنما تستمر سلامة المجتمع واستقراره في طريق الخير بهؤلاء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذين ما خلت منهم أمة إلا تودع منها.