للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً). [النساء: ٥].

(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) ينهى تبارك وتعالى عن إعطاء السفهاء الأموال التي بها تقوم مصالح العباد الدينية والدنيوية، فالدنيوية هي سبيل الحياة والمعاش، والدينية تقوم بها شعائر الدين مثل الزكاة والجهاد.

• قال الرازي: في الآية قولان:

الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم.

والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله (وارزقوهم فِيهَا واكسوهم) وأيضاً فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.

فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟

قلنا: في الجواب وجهان:

الأول: أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، الثاني: إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ) وقوله (وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم) وقوله (فاقتلوا أَنفُسَكُمْ) وقوله (ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه.

والقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الإفساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك.

• السفيه: من لا يحسن التصرف، لقصور في عقله، إما لكونه مجنوناً، أو لكونه صغيراً، أو لكونه غير رشيد، كمن يدفع ماله لشراء خمر أو آلات لهو، أو يدفع ماله في غير نفع ديني ولا دنيوي.

• وقد قيل المراد بالسفهاء النساء، وقيل: الصغار، وقيل: النساء والصغار.

قال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"، فلم يخصص سفيهاً دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلاً كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى.

و"السفيه" الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.

<<  <   >  >>