للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)). [البقرة: ٨١ - ٨٢].

(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) يقول تعالى رداً على دعوى اليهود: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من كسب سيئة، والسيئة: العمل السيء، سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه.

(وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي: أحاط به شركه، وغمرته ذنوبه من جميع جوانبه، وسدت عليه جميع مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود.

• فالمراد بالخطيئة هنا الشرك، لأنه الذنب الذي يخلد صاحبه في النار، لأن الله أخبر أنه من أصحاب النار المخلدين، ولا يخلد في النار إلا المشرك.

(فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمين لها، أبد الآبدين ودهرين الداهرين، لا يخرجون منها (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).

(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم.

(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم. [سبق شرح الآية].

وتقدم شروط العمل الصالح: أن يكون خالصاً لله، متابعاً للشريعة.

(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمون لها، لا يخرجون منها (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) [وقد سبق شرح الخلود].

• قال الرازي: اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد:

أحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان.

وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه.

وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان.

<<  <   >  >>