للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)). [النساء: ١٠٧ - ١٠٩].

(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال (وَهُوَ مَعَهُمْ).

(إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) أي: يديرون الرأي بينهم في الخفاء من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب.

والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي.

• سماه تبييتاً لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل.

• قال السعدي: وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.

وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول -صلى الله عليه وسلم- ليفعل ما بيتوه.

فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم.

(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) تهديد ووعيد لهم.

(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا.

(فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يؤمئذ لهم وكيلاً، ولهذا قال:

(أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) أي: من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟

• قال السعدي: وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها.

فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلاً وتفريطاً فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟

<<  <   >  >>