للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)). [سورة البقرة: ١٨٨]

(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) يعني تبارك وتعالى بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل سبحانه بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل.

ونظير ذلك قوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) وقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضاً ولا يقتل بعضكم بعضاً، لأن الله جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه.

فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل.

• قال السعدي: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة.

• قوله تعالى (ولا تأكلوا .. ) المراد الأكل وسائر الانتفاعات، وإنما خص الأكل، لأنه الأهم في جمع المال، وأقوى وجوه الانتفاع.

• قال البقاعي: (ولا تأكلوا) أي: يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال.

• قوله (بِالْبَاطِلِ) الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، وآكل المال بالباطل: آكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه.

قال السعدي: ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب، والسرقة، والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل في ذلك

أيضاً أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة؛ كعقود الربا، والقمار كلها فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل بذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها أو فوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه.

(وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) قال الطبري: فإنه يعني: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام.

فالضمير في (بها) يعود على الأموال، أي: تتوصلوا وتتقدموا بها إلى الحكام والقضاة احتيالاً منكم، لتجعلوها وسيلة لأكلها، وذلك بالتلبيس عليهم، والأيْمان الفاجرة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) متفق عليه.

<<  <   >  >>