للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)). [النساء: ١٣٥].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف.

• قال القرطبي: قوله تعالى (قوامين) بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها.

ثم ذكر الوالدين لوجوب بِرِّهما وعِظم قدرِهما، ثم ثنّى بالأقربين إذ هم مظنة المودّة والتعصب؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال.

• وقال ابن عاشور: وصيغة (قوّامين) دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال، والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى (قائماً بالقسط) في سورة آل عمران.

(شُهَدَاءَ لِلَّهِ) كما قال تعالى (وأقيموا الشهادة لله) أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.

(وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئلت عن الأمر فقل الحق فيه وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه.

(أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تُراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.

(إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.

• قال الرازي: أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة، إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما.

• قال القرطبي: في الكلام إضمار وهو اسم كان؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يُراعى إشفاقاً عليه (فالله أولى بِهِمَا) أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى.

• قال ابن عاشور: والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر

بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها، وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل، وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.

<<  <   >  >>