للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)). [النساء: ١٣٧].

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً) يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً، ولا طريقاً إلى الهدى.

• قال ابن عطية: واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا).

فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول.

وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).

وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات.

قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم

الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية.

• قال أبو حيان: قوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) لما أمر بالأشياء التي تقدم ذكرها، وذكر أنّ من كفر بها أو بشيء منها فهو ضال، أعقب ذلك بفساد، وطريقة من كفر بعد الإيمان، وأنه لا يغفر له على ما بين.

والظاهر أنها في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين (قالوا آمنا) وإذا لقوا أصحابهم (قالوا إنا مستهزئون) ولذلك جاء بعده بشر المنافقين، فهم مترددون بين إظهار الإيمان والكفر باعتبار من يلقونه.

ومعنى ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات، وقيل: ازدياد كفرهم هو اجتماعهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حرب المسلمين، وإلى هذا ذهب: مجاهد وابن زيد.

وقال الحسن: هي في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) قصدوا تشكيك المسلمين وازدياد كفرهم هو أنهم بلغوا في ذلك إلى حدّ الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

<<  <  ج: ص:  >  >>