للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.

فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.

إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمرداً.

(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلاً على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ:

(قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة.

• قال ابن كثير: والظاهر -والله أعلم-أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي).

(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) أي: إذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب.

• وقد قال كثير من العلماء أن هذا من إبراهيم انتقال من دليل إلى دليل أو ضح وأكبر لا يستطيع المكابرة معه.

وقال بعض العلماء: إن هذا ليس من باب الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح، وإنما هو من باب طرد الدليل، فكأنه قال له: ما دام أنك أنت تحيي وتميت، وأنت تملك هذه القدرة الهائلة، فأنت الذي تتصرف في هذا الكون فأت بالشمس من المشرق.

واختار هذا الحافظ ابن القيم حيث قال: … فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقاً فليتصرف في الشمس تصرفاً تصح به دعواه، وليس هذا انتقالاً من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة.

<<  <  ج: ص:  >  >>