للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[قلوب الصالحين تقية]

ثالثاً: قلوب الصالحين قلوب تقية، فأصل التقوى أيها الأفاضل أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية، هذا هو التأصيل اللغوي للتقوى، فالتقوى مصدر مأخوذ من: اتقى يتقي وقاية، والوقاية: أن تجعل بينك وبين ما تخافه وتحذره وقاية.

وأصل التقوى في الاصطلاح أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وسخطه وعذابه وقاية، هذه الوقاية هي فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وقد أصلنا لغة واصطلاحاً أن الصلاح سلوك سبيل الهدى، والعبد الصالح هو المستقيم على طاعة الله، القائم بما عليه من حقوق لله جل وعلا وحقوق لخلق الله، فقلوب الصالحين قلوب تقية نقية.

التقوى ليست كلمة ولا محاضرة، ولكنها منهج متكامل، بل ستعجب أيها الحبيب إذا علمت أن التقوى هي الغاية من العبادة التي خلق الله من أجلها الخلق كله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦] وبين ربنا أن الغاية من العبادة هي التقوى، فقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:٢١]؛ لذا كانت التقوى وصية الله للأولين والآخرين من خلقه، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:١٣١].

وكانت التقوى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لجميع أمته، كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وفيه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب؛ وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع! فأوصنا يا رسول الله! فقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل) الحديث.

وكانت التقوى وصية السلف لبعضهم البعض، أوصى بها الصديق عمر، فقال: (اتق الله يا عمر)، وأوصى بها عمر ولده عبد الله قال: (يا بني! أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده)، وأوصى بها عمر بن عبد العزيز أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن العاملين بها قليل، وإن الواعظين بها كثير، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأسأل الله أن يجعلنا من الواعظين العاملين بها، إنه على كل شيء قدير.

وأوصى بها ابن السماك أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في فريضتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حالك، في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بسلطانه، واعلم أنك لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك، والسلام.

فقلوب الصالحين قلوب تقية، استقامت على الإيمان، واستقامت على الطاعة، واستقامت على السنة، وهذا هو سبيل الصالحين ودربهم، أسأل الله أن يجعلنا من الأتقياء الأنقياء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.