للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الكلمة قد توبق على الإنسان دنياه وآخرته]

[قال المصنف رحمه الله: وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: (تكلم كلمة أوبقت ديناه وآخرته)].

يشير إلى قوله في هذا الحديث: (أحدهما مجتهد في العبادة)، وفي هذه الأحاديث بيان خطر اللسان، وذلك يفيد التحرز من الكلام، كما في حديث معاذ (قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك -يا معاذ -! وهل يكب الناس في النار على وجوهم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!) والله أعلم].

في هذا الحديث عبرة، وكونهما متآخيين يعني أنهما ليسا أخوين من النسب، وإنما هما متآخيان على شيء معين، وأحدهما مجتهد في الطاعة والآخر عنده تقصير، وكلاهما مؤمن بالله متبع لشرعه، ولكن كان أحدهما مقصراً يفعل المعاصي ويترك بعض الواجبات، فكان المجتهد يحض أخاه شفقة عليه وغيرة على دين الله، ويغضب لله لا لنفسه، وكان يشفق على أخيه أن يصاب بالعذاب، فكان يلومه كثيراً كلما رآه على ذنب، إما أمر يقصر فيه أو لا يقوم بالأمور الواجبة كما ينبغي، أو ذنب يرتكبه، فكان ينهاه ويزجره ويقول له: (اقصر) يعني: اترك هذه الأعمال وأقلع عنها وخف ربك وهذا المقصر يقول: دعني وربي، ربي هو الذي يحاسبني، وأنت لا تحاسبي ولست عليّ رقيباً، ولكن لشدة اجتهاده وخوفه من أن يناله العذاب كان يلومه، وفي هذه المرة لما رآه على ذنب استعظمه قال هذه المقولة، وهي مقوله ما قالها إلا لأنه غضب، وغضبه لأن محارم الله انتهكت فقط، ولكنه أساء -في الحقيقة- وتعدى طوره، فقال له: (والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة)، وهذا تألٍ على الله، والتألي: هو التعدي في الحلف.

فقبضهما الله جل وعلا وأحضرهما بين يديه، فسأل هذا الحالف المتألي: أكنت قادراً على ما في يدي؟ أكنت تمنع ما أريد وترد مشيئتي وأمري؟ قال: لا يا رب فقال للملائكة: اذهبوا به إلى النار.

فهذا مجتهد وغضب من المعاصي ومع ذلك ذهب دينه بكلمة قالها، كما قال أبو هريرة: (تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) يعني: أهلكته، وهذا دليل على الخطر الشديد، فالإنسان يجب أن يكون مراقباً دائماً لربه، مراقباً لنفسه أيضاً، ناهجاً الطريق الذي أُمر بسلوكه، ودائماً يستحضر أنه عبد لله يتصرف فيه كيف يشاء، ويستحضر دائماً فقره وفاقته، ويعلم أنه فقير إلى الله لا ينفك عن الفقر لحظة واحدة، وإن وكله الله جل وعلا إلى نفسه هلك، فيتعلق برحمة الله ويرجوه دائماً وأبداً، ولابد من سلوك الشرع في هذا، وإلا هلك، أما هذا المقصر المذنب فغُفر له بسبب هو من أكره الأسباب إليه، وهو كون أخاه قابله بكلام مكروه إليه جداً، فلو جاءك إنسان وقال: أنت من أهل النار ماذا يكون موقفك من هذا القائل؟! سيكون موقفاً صعباً، لكن قد يكره الإنسان شيئاً ويكون خيراً له، وقد يكون شيء مكروه لديه جداً فيكون خيراً له مثل ما وقع لهذا.

ثم إن في هذا دليلاً على أن الإنسان قد يترك دينه لمجرد كلمة، مثل ما ذكر في حديث معاذ، وحديثه عظيم جداً في هذا الباب، وهو أن معاذاً رضي الله عنه لفقهه وعلمه كان يقول: كان يدور في نفسي مسألة أحب أن أسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكنه كان يتحين الفرص التي يجد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً عليه، وكانوا قد نهوا عن كثرة السؤال، فأصبحوا لا يقدمون على السؤال إلا لأمر ضروري، وكان يسير معه في مسير غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الرسول خالياً، فكان يسايره في الليل ويكلمه فقال: (يا رسول الله! أخبرني عن كلمة أمرضتني وأسقمتني قال: نعم سل.

قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم -وهذا دليل على فقهه- وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ ألا أدلك على أبواب الخير؟ فقلت: بلى يا رسول الله.

قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، -يعني أن صلاة الرجل في جوف الليل أيضاً تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار-، ثم تلا قول الله جل وعلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:١٦ - ١٧]، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بلى، يا رسول الله.

فقال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى، يا رسول الله.

قال: كف عليك لسانك فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟! فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) يعني: جراء ما يتكلمون به مما يكون فيه العقاب.

وفي صحيح البخاري وغيره أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية: (يتكلم بالكلمة ليضحك بها القوم يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

والله جل وعلا أخبر أن الإنسان مسئول عن لسانه، كما قال جل وعلا: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:٣٦] أي: تسأل يوم القيامة عن هذه، فتسأل عن سمعك هل استمعت به إلى الملاهي والمزامير والأغاني، أو إلى كلام الرحمان؟ لأن السمع خلق لك لتستعمله في عبادة الله وتستعمله في ما ينفعك، لا لتستعمله في طاعة الشيطان، فهذه نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليك فلا تعص الله بها، ولا تستعن بنعم الله على معاصي الله.

وكذلك تسأل عن البصر الذي أنعم الله جل وعلا به عليك هل استعملته في طاعة الله؟ وهل قادك ودعاك إلى معرفة الله والاستدلال بآياته عليه، أو أنك استعملته بما يضر وما يعود عليك باللوم والعقاب؟ وكذلك تسأل عن الفؤاد -والفؤاد هو القلب- فتسأل عن نياتك ومقاصدك وإرادتك، وهذه النيات هي قبل النطق، وهي التي تدعو اللسان إلى التكلم، واللسان يتكلم بما وراءه، فيجب أن يكون اللسان مقيداً بالشرع، وكذلك السمع والبصر والأيدي والأرجل وجميع ما أعطاك الله جل وعلا يجب أن يكون مقيداً بالشرع، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، واللسان يزني وزناه النطق، والقلب يتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أي: فيواقع الزنا الأكبر.

فالنظر إلى المحرم زناً، والاستماع إلى المحرم والنطق به كذلك، وهذا إذا كان القلب مريضاً مرض الشهوة تكون أعماله كلها هكذا، نسأل الله العافية.

والمقصود أن الإنسان خلق لعبادة الله، فيجب أن يكون مقيداً بالعبودية، ولا يكون -كما يقول الملاحدة اليوم- الإنسان حراً، وإذا نهيت إنساناً أو أمرته فقال لك: أنا حر فقل له: حر في ماذا؟ حر في اتباع الشيطان؟! لو كنت حراً لفسدت الدنيا كلها، ولا يمكن أن يستقيم عليها مجتمع أبداً؛ لأنه لابد أن يتقيد الناس بالقيود، وإن لم يتقيدوا فسوف تفسد أوضاعهم، فالإنسان لا يمكن أن يترك هكذا، فقول من يقول: إن الإنسان حر كذب، ما هو بحر، إنما قد يكون حراً في شيء أراده لنفسه، والله جل وعلا جعله عبداً ولم يجعله حراً، فهو عبد معبد لله جل وعلا، فيجب أن يكون طائعاً لله جل وعلا، فهذا الحديث فيه عبرة.