للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فملكوها، ونقبوا أسوار البلد وحشوه خشبا وأحرقوه، فوقعت الباشورة وهى بدنة السور، فدخل الفرنج إليها وقتلوا من المسلمين جماعة، وقتل المسلمون من الفرنج خلقا عظيما من جملتهم ست ملوك، وقبضوا على أحد ملوكهم الكبار فى بعض الثقوب، فقال لهم: «لا تقتلونى وأبقونى أرحل عنكم الفرنج». فلم يرجعوا له وقتلوه. فلما بلغ الملاعين قتل ملكهم التزموا أنهم لا يبقوا فى عكا من يقول «لا إله إلا الله».

ثم جدوا فى الزحف ثلاثة أيام جدا عظيما. كل ذلك حزنا على ملكهم.

ثم إن السلطان صلاح الدين بعث إليهم سيف الدين المشطوب يطلب الصلح منهم.

وفى جملة كلامه: «إنا نحن أخذنا منكم بلادا كثيرة وحصونا كثيرة وإنا لم ننزل على بلد ولا قلعة وطلبوا منا الأمان والصلح إلا أجبناهم لذلك. فافعلوا أنتم أيضا كذلك». فما كروا السلطان، وسيروا يطلبوا منه القاضى نجيب الدين المالكى ليقرروا أمر الصلح بينهم، وكان ذلك كله مكر منهم وخديعة، حتى يشغلوا السلطان عنهم، ويتمكنوا من أخذ البلد. فلما كان يوم الجمعة، وصل عوام من البلد بكتاب من أهل عكا يقولون: «أن قد ضاق الأمر، ولا بقى لنا خلاص، وقد طلب منا الفرنج مائتى ألف دينار، وألفى وخمسمائة أسير، وثلاثة آلاف ثوب أطلس، وصليب الصلبوت، على أننا نخرج بنفوسنا، لا سواها». فلما وقف السلطان على ذلك أنكره، وعظم عليه. فبينما هو كذلك إذ وقعت الضجة، ورفعت أعلام الشرك على أبراج البلد، وصرخ الملاعين صرخة واحدة تزلزلت لها الأرض. وكان ذلك يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة. فعظم ذلك على المسلمين، وكثر قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم».

وعن القاضى بهاء الدين بن شداد-صاحب سيرة السلطان صلاح الدين-قال:

وصلت إلى السلطان صلاح الدين فى ذلك الوقت الذى أخذت فيه عكا، فوجدته يبكى بكاء عظيما، فجلست إليه، ثم ذكرته بما فتح الله عز وجل على يديه من بلاد