للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الثلاثة أيام. وكان الناس اضطربوا اضطرابا عظيما، وكثر انزعاجهم من التتار، والسلطان يظهر قوة النفس، وشدة البأس. ثم إنه استحلف جيوشه أنهم يختارون الموت على الحياة، ولا يولون الأدبار، ثم حلف هو أيضا كذلك، تبرعا منه وإحسان. ثم إنه عيّن لهم يوم المصاف، وأحضر قاضى أصبهان ورؤساءهم، وأعرض الرجال من عامة أصبهان، وفرّق عليهم العدد. وهؤلاء أهل أصبهان لا يقاسون بغيرهم من أهل الأقاليم، لما فيهم من الشجاعة والشدة وقوة البأس.

ولما رأى التتار أن السلطان أبطأ عنهم، وتقاعد عن خروجه إليهم، ظنوا أنه امتلأ منهم رعبا وخوفا، فجردوا ألفى فارس منهم إلى الجبال، ليجمعوا لهم ما يمونهم للحصار، فدخلوا الجبال التى فى أعمال أصبهان. فبلغ السلطان جلال الدين ذلك، فجرد خلفهم ثلاثة آلاف فارس، يأخذون عليهم فم المضيق. فلما انصرفوا من المغارة، واقعوهم. ونصر الله الطائفة الإسلامية عليهم، وقتلوا منهم جماعة، وأحضروا منهم أسرى، فسلموا منهم جماعة للقاضى، فقتلوهم فى شوارع المدينة، وضرب السلطان رقاب بقيتهم بين يديه فى صحن الدار، وجروهم إلى ظاهر المدينة. فلما كان اليوم الرّابع خرج السلطان، ورتّب الجيوش للمصافّ. فلما تراءى الجمعان، خذله غياث الدين أخوه، وفارقه بجيشه، وتبعه جهان بهلوان، لوحشة حدثت فى تلك الساعة. وتغافل السلطان عنه. وامتدّت عساكره، ووقف التتار أطلابا متفرقة مترادفة قبال السّلطان. وكان عسكره أضعاف التتار، وتباعد ما بين الميمنة والميسرة، حتى عاد لا يعرف حال الواحدة من الأخرى. ثم حملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار، فشالوها شيلا، وانهزمت التتار بين أيديهم، وكذلك فعلت الميسرة بميمنة التتار. ولم يزل السيف يعمل فيهم إلى المساء. ورأى السلطان انهزام التتار، فترجل وسجد شكرا لله تعالى، ونزل على حافة جرف كان فى المعركة قاطع بينه وبين العدو،