للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولا بقى غير الكيد والمكاشفة، وتقديم الكيد أولى فإن نجح فأراح، وإلاّ فالمكاشفة والكفاح، وليس لهذا الأمر كالقاضى العدل، ذو العلم والفضل، الذى فاق بفضله المتقدّمين، أبو الحصين حاذق الأمين، فإنّه إن شاء الله تعالى يقوم بهذا الأمر، ويكون سببا لإخماد هذا الجمر.

وكان بصحراء السند وجبال الهند ثعلب يسمّى حاذق يلقّب بالأمين، قد أتت عليه عدّة من السنين، نشأ ببلاد الحجاز، وقطن مدّة بالعراقين والأهواز، واطّلع على أخبار المتقدّمين، وصحب جماعة من العلماء الإسلاميّين، وأدرك شعراء الجاهليّة والمخضرمين، ومن تلاهم من المولّدين، وبعدهم من المحدثين، وقرأ كتب الحكماء والفلاسفة والمتكلّمين، وكان مع ذلك حسن الاعتقاد، خالى من الانتقاد، جيّد اليقين، من خيار عباد الله المتّقين.

فلمّا سمع الملك قول الوزير ذو الرأى والتدبير، علم أنّه قد أصاب، ممّا أشار، فما خاب، من استشار، فقال: لقد نصحت أيّها الوزير الصالح، والصديق الناصح، ولقد دللت على الرأى الكبير ولا ينبئك (٣١٧) مثل خبير، وأمر فى وقته بإشخاص حاذق على البريد، ليكون أسرع لما يريد، وكان حاذق قد فوّض إليه تدبير الجيوش وقضاء والحكم بين الوحوش، ترجع إلى إشارته جميع الحكّام من أقصى الصين إلى خوارزم مع جبل القبخ وجبل اللكام، وقد استبارك بحسن سياسته الجماع، وصار عليه الورود وعنه الصدور والرجوع، حتى طارت بعلوّ طبقة بلاغته جنحة العقبان، وسارت بعذوبة منطقه وفصاحته عيس الركبان، ولم تكن إلاّ أيّام، وقدم حاذق فى غاية الإكرام، فسرّ الملك بقدومه ومأتاه، وأكرم نزله ومثواه، إلى أن زال عنه وعثاء السفر، وعناء السهر، ثم أحضره وبجّل مقامه، وزاد فى برّه وإكرامه، وسأله كيف كان طريقه، ولا طفه