للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مفهوم الدعوة إلى الله]

الدعوة في اللغة: مأخوذة من الدعاء، وهو النداء لجمع الناس على أمر الله، فإذا كان عندك أناس تجمعهم على أمر الله فقد دعوتهم وحضضتهم على العمل به.

والدعوة مطلقاً يراد بها: الدعوى إلى قضية يراد إثباتها، أي: الدفاع عنها حقاً كانت أو باطلاً، بغض النظر عن هذه القضية، فمن الدعوة إلى الباطل قول الله تبارك وتعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:٣٣]، فقد كان النسوة يدعونه إلى ما حرم الله تبارك وتعالى، فهذا من استعمال كلمة الدعوة في اللغة في الدعوة إلى الباطل، ومن الدعوة إلى الباطل ما ورد أنه تخاصم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأراد كل منهما أن يستنصر بطائفته، فقال المهاجري: يا للمهاجرين.

وقال الأنصاري: يا للأنصار.

فقال صلى الله عليه وسلم حينما بلغه ذلك: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!) فسماها دعوى الجاهلية.

أما الدعوة الحق فمثل قوله تبارك وتعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد:١٤]، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى هرقل عظيم الروم: (أدعوك بدعاية الإسلام) أي: بدعوة الإسلام.

ومنها قول مؤمن آل فرعون: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر:٤١] فهنا وردت كلمة الدعوة بالمعنيين الحق والباطل: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} [غافر:٤١] فهذه دعوة حق، {وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر:٤١] هذه دعوة باطل.

ومن معاني كلمة الدعوة: المحاولة القولية أو الفعلية والعملية لإمالة الناس إلى مذهب أو ملة.

ومن معانيها: الابتهال والسؤال، تقول: دعوت الله أدعوه أي: أبتهل إليه بالسؤال وأرغب فيما عنده من الخير.

قال الله تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس:٢٥]، قال في لسان العرب: ودعاء الله خلقه إليها كما يدعو الرجل الناس إلى مدعاة، أي: إلى مأدبة يتخذها وطعام يدعو الناس إليه.

فمعنى الدعوة هنا في قوله: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس:٢٥] كالدعوة التي يوصلها من يدعو الناس إلى مأدبة أو وليمة، أو شيء من هذا حتى يشرفهم بتناوله.

فدعوة الله عز وجل عباده إلى دار السلام هي دعوته عباده إلى أسباب دخولها {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس:٢٥] يعني: يأمركم أو يطلب منكم ويدعوكم إلى أن تتخذوا الأسباب التي توصلكم إلى دار السلام، وهي الالتزام بدينه تبارك وتعالى، فمن استجاب صار من حزب الله {أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:٢٢].

أما المعرضون فهم أتباع الشياطين، يقول الله تعالى حاكياً عن إبليس: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم:٢٢]، فبين إبليس المقصود من الشرك الذي وقعوا فيه: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم:٢٢]، وقد كان الشرك بمجرد أنه دعاهم فاستجابوا له: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم:٢٢]، فسمى هذه الدعوة والاستجابة له شركاً، أي أنهم أشركوا مع الله تبارك وتعالى.

وقال تعالى عن إبليس: {إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:٦]، فكل طائفة لها دعوة.

وقال عز وجل أيضاً: {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة:٢٢١]، فعلى كل إنسان أن ينتمي إلى أحد الحزبين: حزب الله أو حزب الشيطان، فكل إنسان يدب على هذه الأرض إما أنه من حزب الله المفلحين، وإما أنه من حزب الشيطان الخاسرين، وكل الأحزاب -سواء أكانت أحزاباً سياسية، أم أحزاباً طائفية، أم أي نوع من الأحزاب- التي تخالف ما عليه الكتاب والسنة، وتخالف منهج الفرقة الناجية ومنهج النبوة هي قطعاً من حزب الشيطان.

والذي لا ينتمي إلى الدعوة إلى الله، ولا ينتمي إلى أي اتجاهات سياسية أو فكرية مخربة أو مدمرة، ويظن أنه بهذا لا له ولا عليه هو منتمٍ في الحقيقة لحزب الشيطان، وإعراضه عن دعوة الله إياه إلى دار السلام يجعله ممن أعرض عن خالقه وبارئه تبارك وتعالى، وإن كان دون غيره في الضلال، لكن النار دركات والجنة درجات.