للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الحديث عن البدعة]

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد: فإن هذه العبارة التي نرددها دوماً في خطبة الحاجة وهي قولنا: (أصدق الحديث أو أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) هي عبارة مقصودة، ولا تقال عبثاً، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صدر الأمور والحاجات المهمة.

يجب أن يكون شعار كل مسلم (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، وينبغي أن يرفع هذا الشعار، وأن يشاع الاستدلال بهذا الشعار، ويدرأ به في نحر كل من يتجاسر على مخالفة هديه أو استحسان البدع التي تخالف هديه صلى الله عليه وسلم.

ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل النجاة في كلمة مكونة من شقين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا ينجو إنسان إلا إذا حقق هاتين الكلمتين.

فالأولى: تشمل توحيد الله سبحانه وتعالى، وهو توحيد المعبود.

والثانية: توحيد الطريق الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى.

لا إله إلا الله يعني: لا يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده، لا إله حق إلا الله، فإذا قال إنسان: أنا أريد أن أعبد الله وحده، لكن كيف أعبده؟ كيف أعرف الذي يرضيه والذي يسخطه حتى أتجنبه؟ فلا ينبغي أن ننظر فقط إلى قوله تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦]، بل وننظر إلى آيات أخرى كقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:٢١]، وقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:٥٤]، وغير ذلك من الآيات التي تحتم على المسلم ألا يعبد إلا الله من خلال ما شرع، ولا يعبده بالبدع.

فهذان التوحيدان لا نجاة إلا بهما: توحيد المعبود، وتوحيد المتبوع صلى الله عليه وسلم، توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فمنذ أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة إلا طريقاً واحداً على رأسه رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد أفتى العلماء بكفر من زعم أن هناك طريقاً إلى الجنة مخالفاً لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته الشريفة، فمن ادعى أن هناك طريقاً إلى النجاة وإلى الجنة يخالف طريق النبي عليه الصلاة والسلام فإنه قد خرج من ملة الإسلام، وكما يقدح الشرك في توحيد العبادة كذلك يقدح الابتداع في توحيد الاتباع، وكما ينافي التوحيد أعمال الشرك -وهي عبادة غير الله أو صرف شيء من العبادة لغير الله- كذلك ينافي ويضاد شهادة أن محمداً رسول الله الأخذ بالبدع وتقديمها على السنن.

نبدأ هذا البحث ببعض المقدمات اليسيرة التي تتعلق بالبدع؛ لأنه لابد من تمهيد للموضوع الأساسي الذي هو ضوابط التبديع؛ لأنه يحصل خلط في هذا الباب كما يحصل خلط في قضايا التكفير نتيجة عدم إحكام ضوابط التكفير، فكما أن هناك ضوابط للتكفير فكذلك التبديع له ضوابط، ولابد أن نلم بها حتى لا يحصل منا شطط وخروج عن المنهج.