للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حكم حلق اللحية بسبب مرض ما]

السؤال

أعاني من (حب الشباب) وهو يظهر تحت لحيتي، ويسبب لي الكثير من الألم، وذلك لأن هذه الحبوب تمتلئ بالصديد الكثير، فأقوم بحلق اللحية كي أعالجها، فعندما أترك لحيتي مرة أخرى تعود الحبوب كما كانت من قبل، وتكرر ذلك الوضع أكثر من مرة بل كثيراً، فما حكم حلق اللحية بالنسبة لي؟

الجواب

نقول: ما يدريك أن حلق اللحية هو الذي يسبب هذه التقيحات وهو الذي يلوث هذه الجروح؟ لكن لو ابتلي الإنسان بمرض جلدي معين علاجه في حلق اللحية.

فهذه من الرخص النادرة، ويجوز له أن يحلق لحيته للتداوي، ويحرم حلق اللحية إلا لتداو كما قال بعض العلماء، ففي حالة التداوي إذا كان لا سبيل للتداوي إلا الحلق كانت هذه حالة خاصة.

والشيء يذكر بالشيء، ولا بأس أن يكون بين وقت وآخر شيء من العتاب لبعض منا، فلو أن أخاً ما ضعف إيمانه أو التزامه بالدين، أو تعرض لضغوط وحلق لحيته، فنجد الشكوى من سوء المعاملة له، ونجد نفوراً شديداً منه، ويصل الأمر إلى إعانة الشيطان عليه، وبالتالي يعتزل تماماً من مجتمع الإخوة حتى يتجنب هذه الأذية.

فلنفرض أن الأخ عنده عذر، وقد حصل أن أحد إخواننا -عافاه الله سبحانه وتعالى- ابتلاه الله سبحانه وتعالى بمرض، فبدأ شعر لحيته يتساقط، فما بين قائل له: (نعيماً) وقائل له غير ذلك من السخرية والاستهزاء، والأخ حسن الخلق، فصبر وصبر حتى بلغ السيل الزبى، وكاد أن يهجر جميع المساجد حتى يتجنب هذه الأذية.

فالإنسان يكون حسن الخلق، فـ (الكلمة الطيبة صدقة)، حتى مع الكافر، قال الله سبحانه وتعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:٨٣]، حتى مع فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:٢٤]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:٣٨] قال تعالى لموسى أشرف الأنبياء في زمنه عليه السلام: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:٤٤]، فأين الرفق؟ فينبغي مراعاة آداب الإسلام، فأخ لك له حرمة إذا وقع في حفرة هل توسع له الحفرة وتدفنه فيها أم تأخذ بيده وتجذبه إليك وتنقذه؟! والذي يحصل كأنه تواطؤ من كثير من الإخوة، فالسخرية، والاستهزاء، والاكفهرار في وجهه، والتنفير، وإعانة الشيطان عليه، بينما الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان ذلك الرجل الذي يلقب حماراً -وكان يضحك النبي عليه الصلاة والسلام- كان يؤتى به قد شرب الخمر، وكان الشيطان يغلبه أحياناً بمعصية شرب الخمر -والعياذ بالله- فكان يقيم عليه الحد، ففي إحدى المرات قال أحد الصحابة بعدما جلد هذا الرجل رضي الله عنه قال: لعنه الله؛ ما أكثر ما يؤتى به! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)، وقال: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) فلا تنضم بجانب الشيطان ضد أخيك.

والذي يسخر من أخيه أو يؤذيه أو يقاطعه أو يكفهر في وجهه وهل قد جرب أن يأخذه على انفراد وينصحه برفق ولين ويذكره لعل عنده عذراً خفياً كما كان حال هذا الأخ؟ فاحمد الله على أن عافاك من البلاء، وإذا كان الله ابتلاه وعافاك فلا تظهر هذه الأذية، فلا تأمن أن يعاقبك الله ويذيقك من نفس هذه الكأس، والجزاء من جنس العمل.

فنرجو من الإخوة أن يراعوا هذه الآداب، وإذا ضعف الأخ فلابد من أن نأخذ بيديه وننصحه.

فنرجوا التزام هذا الخلق مع الناس، وأنا ألاحظ أحياناً -ولله الحمد- أن بعض أناس يأتون لأول مرة أو غير ملتحين، فأول ما أرى أخاً غير ملتحٍ أقول: يا رب! استر.

حتى لا ينفره أحد الإخوة ويشتد عليه وينفره.

وبفضل الله نلاحظ كثيراً من المسلمين يسمع أحدهم كلام الله وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام فنلاحظ مع الوقت كثيراً منهم بدون أن يحصل له أي ضغط أو إرهاب يلتزم بالهدي الظاهر كله، لكن خطوة خطوة؛ لأن الصراع على أشده، وأهل الفساد والإلحاد والزندقة يحاربون ويصدون الناس عن سبيل الله بكل الطرق، حتى إن فيلم (الإرهابي) يصدرونه لكل الدول العربية، ولا توجد دولة ترفضه غير الأردن، وأصدر وزير الثقافة الأردني بياناً يقول فيه: إن هذا الذي تسمونه إرهاباً هو دين الإسلام نفسه، فكيف تسبون الإسلام؟ والهيئات في الأردن كلها كتبت معترضة على مثل هذا، وأنه طعن في الإسلام نفسه وليس طعناً في الإرهاب، وأيضاً لبنان النصرانية ترفضه، وبقية الدول العربية تقبله، وحسبنا الله ونعم الوكيل! فنحن نتصارع مع أعداء الناس لإنقاذهم، فهم يشدون من ناحية ونحن نشد من الناحية الثانية.

وأيضاً توجد بعض التصرفات التي كثرت الشكوى بشأنها في الحقيقة، فنحن إذا لم نتصارح بهذه الأشياء سنتمادى فيها، ونحن -المسلمين- أسرة واحدة، فالمفروض أن يكون أحدنا للآخر كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، أو كالمرآة ترى فيها عيبك، فهناك أشياء نسمعها ولا نكاد نصدقها، فآخر ما سمعت أن أختاً تزوجت من رجل قد طلق زوجته، فكتبت الأولى خطابات تشتمها وتسخر منها، وتقول: يا خاطفة الرجال.

وألفاظاً بذيئة وكلاماً سيئاً جداً، ثم صورت نسخاً من الخطاب، ووضعته أمام كل أبواب الشقق في العمارة، وأخذ أحد النصارى الأوراق وذهب بها لزوج الأخت ليريه ما صنعت، ويقول له: هذه أخلاقكم أيها المسلمون؟! فهل هذا تصرف؟ وهل هذه أخلاق الإسلام؟ نحن محتاجون إلى أن نراجع أنفسنا في أشياء كثيرة جداً، في التقصير في طلب العلم والعبادة، وغير ذلك من أشياء لا أكاد أصدقها فأخت تمضغ العلك -الذي هو اللبان- داخل الصلاة، فتنصحها أخت بأن هذا لا يجوز داخل الصلاة فتجيبها بجواب بارد! وأخت تمشي من آخر المسجد إلى أوله وهي في الصلاة، وتفتح الحقيبة وتدخل أشياء وتخرج أشياء، فهذه الأشياء ما عهدناها مع الملتزمين، فأي التزام هذا؟ فنرجو التخلص من هذه الآفات والالتزام بآداب الإسلام وتحسين صورتنا؛ لأن هذا مما نعاقب عليه، والصد عن سبيل الله بسوء الخلق ذنب، وإذا تأملنا الآية في سورة النحل: {وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:٩٤] فمعنى الآية: لا تستغلوا اسم الله سبحانه وتعالى وتحلفوا بالله وأنتم تنوون الخديعة.

{وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} [النحل:٩٤] يعني: للإفساد.

فماذا يحصل إذا الإنسان حلف وعاهد ثم غدر أو أخلف أو أساء الخلق؟ قال تعالى: {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل:٩٤]، تكون أنت مذنباً في نفسك، وبعدما كنت ثابتاً على الطريق زللت عنه، فهذا انحراف في نفسك أنت، فأنت تعاقب على هذا أولاً، ثم {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل:٩٤]، إذا فعلتم هذه الأخلاق فإنكم تتسببون في تشويه صورة الإسلام، وبالتالي الكفار الذين عاهدتموهم ونقضتم العهود وخدعتموهم باليمين هؤلاء سيقولون: لو كان في دينهم خير لمنعهم من الإخلاف بالوعد.

فمدرب نادي الاتحاد الألماني الذي يدعى سيو بكير كانت المشكلة الوحيدة عنده كلما نكلمه عن مبادئ الإسلام ومفاهيم الإسلام وندعوه إلى جمال الإسلام وروائع الإسلام أنه يقول: فأين هذا فيكم؟ أنتم فيكم الكذب والغش والخداع وكذا وكذا.

وأكبر من هذا أنهم لما أرادوا أن يتعاقدوا معه أتوا به إلى مبنى الأستاد الرياضي، وقالوا له: هذا مبنى الفريق.

فأعجب به جداً، ويبدوا كذلك أنهم أتوا له بفريق آخر يلعب أمامه، وأوهموه أن هذا هو الفريق، وعلى هذا الأساس وقع العقد معهم.

فالشاهد أن مثل هذه التصرفات لها أبعاد خطيرة.

وأنا أريد أن أقول: سلوكك هو عنوان لهذا الدين وعنوان الالتزام به، فأنت -شئت أم أبيت- ستحاسب على هذا التصرف {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل:٩٤]، فلا تصد الناس عن سبيل الله، فإن بعض الأخوات لا يأتين المساجد خوفاً من تصرفات الأخوات، فنرجوا من الأخت التي تمارس هذه الأشياء أن تمسك عليها لسانها، ولا تأمر إلا بعلم ولا تنه إلا بعلم.

ومن شواهد ذلك في القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:٣٤] فسلوكهم بأكل أموال الناس بالباطل يتسبب في صد الناس عن سبيل الله، فكل هذه شواهد على اعتبار حسن الخلق وأهميته، وأنك تراعي تصرفاتك وأنت تعطي صورة للدين وللالتزام، فحافظ على هذه الصورة، وحتى لا تبوء بإثمك وإثم هؤلاء الذين تصدهم عن سبيل الله تبارك وتعالى.