للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإخلاص، وإنَّما قدمَ اللهُ التضرُّعَ على الإخفاءِ؛ لأنَّ المقصودَ مِن الإخفاءِ حصولُ التضرُّعِ والخشوع، وبالتضرُّع تتحقَّق الغايةُ مِن إخفاءِ العبادةِ وإسرارِها، فلا يتضرَّعُ إلَّا مُخلِصٌ، وقد يُخفِي العبدُ عِبادتَهُ وقلبُهُ حاضرٌ مع الناسِ.

إخفاء العبادةِ:

وفي الآيةِ: مشروعيةُ إخفاءِ العِبادةِ وسؤالِ العبدِ لربِّه؛ ففي ذلك نزع لعلائقِ الرِّياءِ مِن القلب، وغايةُ الاتِّكالِ على الله، واليقينُ بسماعِهِ وإجابتِه، وعبادةُ السِّرِّ تطهِّرُ عبادةَ العلانيَةِ مِن علائقِ الخَلْق، ولا يتحقَّقُ الإخلاصُ في قلبِ أحدٍ إلَّا وله نصيبٌ مِن عبادةِ السِّرِّ بينَهُ وبينَ رَبِّهِ لا يَعلَمُ بها أحدٌ، ولا يُبتلَى أحدٌ بالرياءِ إلَّا لأنَّ نصيبَهُ مِن عبادةِ السِّرِّ قليلٌ أو معدومٌ؛ فعن الزُّبَيْرِ بنِ العوَّام؛ قال: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَلْيَفْعَلْ" (١).

تفاضُلُ إسْرارِ العبادةِ وإعلانِهَا:

وتختلفُ العباداتُ في فضلِ إسرارِها وإعلانِها، والأصلُ: أنَّ إسرارَ العبادةِ أفضَلُ مِن إعلانِها، ويُستثنى مِن الأسرارِ عباداتٌ دَلَّ الدليلُ على إعلانِها، وما يُستحبُّ إعلانُهُ له علاماتٌ:

الأُولى: العباداتُ الواجبةُ: الأصلُ فيها استحبابُ الإعلانِ؛ كالصلواتِ المفروضةِ والزكاةِ - بخلافِ الصَّدَقةِ - وصومِ رمضانَ والحجِّ والأذان، وكلَّما كانتِ العبادةُ أشدَّ في الوجوبِ والفَرْضِيَّة، فإعلانُها آكَدُ ممَّا هو دونَها؛ لأنَّ الفرائضَ شرائعُ تحتاجُ إلى إعلان، وبإعلانِها يقومُ


(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٦٢٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>