للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فَعكَفَ عَلَى الدّرس وَالمُطَالعَة، وَفقُه وَتَميَّز فِي رَأْي العُبَيْدِيَّة، وَمَهَر فِي تَأْويلاَتهم، وَقَلْبِهم لِلحَقَائِق (١) .

وَهُوَ القَائِلُ:

أَنْكَحْتُ بِيضَ الهِنْدِ سُمْرَ رِمَاحِهِم ... فَرُؤُوْسهُم عِوَضَ النِّثَارِ نِثَارُ

وَكَذَا العُلَى لاَ يُسْتَباحُ نِكَاحُهَا ... إِلاَّ بِحَيْثُ تُطَلَّقُ الأَعَمَارُ (٢)

ثُمَّ صَارَ يَحُجُّ بِالنَّاسِ عَلَى طَرِيْق السرَاة (٣) خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ يَقُوْلُوْنَ لَهُ: سَتَملِكُ اليَمَن بِأَسره.

فِيُنكر عَلَى القَائِل، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، ثَار بِجَبل مَشَار (٤) فِي سِتِّيْنَ رَجُلاً، فَأَوَوْا إِلَى ذِرْوَة شَاهق، فَمَا أَمسوا حَتَّى أَحَاط بِهِم عِشْرُوْنَ أَلْفاً، وَقَالُوا: انْزِلْ وَإِلاَّ قتلنَاكُم جُوعاً وَعَطَشاً.

قَالَ: مَا فَعَلتُ هَذَا إِلاَّ خوَفاً أَنْ يَمْلِكَهُ غِيرُنَا، وَإِنْ تركتمونَا نحرُسُه، وَإِلاَّ نَزلنَا إِلَيْكُم.

وَخَدَعَهُم، فَانْصَرَفُوا، فَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ أَشهر حَتَّى بنَاهُ وَحَصَّنه (٥) ، وَلَحِقَ بِهِ كُلُّ طمَّاع وَذِي جَلاَدَة، وَكثرُوا، فَاسْتفحل أَمرُه، وَأَظهر الدعوَةَ لصَاحِب مِصْر المُسْتنصر، وَكَانَ يَخَافُ مِنْ نَجَاح صَاحِب تِهَامَة، وَيُلاَطِفُه، وَيَتحيَّلُ عَلَيْهِ، حَتَّى سقَاهُ مَعَ جَارِيَة مليحَةٍ أَهدَاهَا لَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الممَالِك اليَمنِية فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَخَطَبَ عَلَى مِنْبَر الجَنَد (٦) ، فَقَالَ: وَفِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ نَخْطُبُ عَلَى مِنْبَر عَدَنَ. فَقَالَ رَجُلٌ:


(١) الخبر بنحوه في " وفيات الأعيان " ٣ / ٤١١، و" المختصر " ٢ / ١٨١.
(٢) البيتان في " وفيات الأعيان " ٣ / ٤١٥، و" البداية والنهاية " ١٢ / ١٢١.
(٣) انظر " معجم البلدان " ٣ / ٢٠٤.
(٤) قال ياقوت: مشار: قلة في أعلى موضع من جبال حراز، منه كان مخرج الصليحي في سنة ٤٤٨، وجاهر فيه، لم يكن فيه بناء فحصنه، وأتقنه، وأقام به حتى استفحل أمره.
" معجم البلدان " ٥ / ١٣١، وفي " وفيات الأعيان ": مسار بالمهملة، وقد تحرفت في " المختصر " إلى: مشاف.
(٥) الخبر في " وفيات الأعيان " ٣ / ٤١١ - ٤١٢، وقطعة منه في " المختصر " ٢ / ١٨٢.
(٦) الجند بالتحريك: مدينة نجدية باليمن من أرض السكاسك، بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا.
" معجم البلدان ".