للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[فضل المساجد وعمارها]

المساجد بيوت الله عز وجل لها أحكام وآداب، وقد كثر من عدد غير قليل من إخواننا المصلين شكواهم من عدم معرفة تلك الأحكام، ولا مراعاة تلك الآداب، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أخطر وأعظم ضرراً وشراً، ومن ثمَّ فالمسجد وخطبته تعالج الأوضاع التي يعيشها أهل المسجد ومن يجاوره، كما تعالج أوضاع الأمة كاملة.

فإن لنا في هذا المقام وقفات كثيرة، وهي لا تتحدث عن شرق أو غرب، ولا عن بلاد في هذه الجهة أو تلك، إنما تتحدث عنا وعما يجري في مسجدنا وواقعنا، ومثله وغيره كثير من المساجد.

فكيف الأمر ونحن نتحدث عن بيوت الله عز وجل التي ذكر الله عز وجل نسبتها إليه فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:١٨]، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة:١٨] إنها بيوت الله عز وجل، فهل هي في المقام والقدر وفي الرعاية والحفظ تعطى حقها؟! وهل نجعلها مثل بيوتنا على أقل تقدير؟! وهل نحن عندما نأتي إليها أو نكون فيها أو نتعامل في داخلها نراعي حرمتها، ونراعي مقامها؟ فقد صح عند البخاري من حديث عثمان عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له مثله بيتاً في الجنة)، فهي بيوت الله جل وعلا.

والصورة الأخرى التي ينبغي أن نستشعرها ونحن نقدم هذا الحديث هي: أن عُمَّار المساجد هم أهل الله عز وجل وعباده، وهم في خلاصة الأمر صفوة من العباد والخلق الذين يجيبون نداءه، ويسعون إلى طاعته، ويقبلون إلى مرضاته، فكيف بهذه الصفوة إذا كانت تخل بالأحكام، ولا تراعي الآداب، ولا تلتفت إلى الحرمة، بل ويقع من البعض ما هو أكثر من ذلك، يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:١٨] يقول ابن كثير: شهد الله بالإيمان لعُمَّار المساجد.

وذكر ابن كثير: أن عبد بن حميد روى في مسنده عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله).

ورواه البزار كذلك عن أنس.

وروى عبد الرزاق عن عمر بن ميمون أنه قال: (أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها)؛ لكن الضيف ينبغي أن يراعي أدب المكان، وأدب المضيف، وهو الرحمن سبحانه وتعالى، فنحن في بيوته، ونحن إنما جئنا لعبادته، ونحن إنما تفرغنا لذكره، فكيف بنا نخدش ذلك أو لا نلتفت إلى الأمور الواجبة؟