للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[خلوة الإنسان بنفسه كي يتدبر أموره ويحاسب نفسه، ويخلو من الناس ومشاغلهم]

الصفحة الثانية من سيرته عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتحنث الليالي ذوات العدد في حراء، وفي رواية خديجة رضي الله عنها قالت: فكنت أزوده لذلك، فيختلي في غار حراء الشهر والشهرين أو أكثر من ذلك، وورد في بعض الروايات في سيرة ابن هشام: أنه كان يمكث شهراً من كل سنة، وفي بعض الروايات: أنه كان يمكث ستة أشهر.

وهذا المعلم معلم مهم أيضاً في حياة المرء المسلم في البيئة الجاهلية، فكما أنه فارقها بقلبه، فإنه يحتاج إلى خلوة يخرج بها من صخب الدنيا إلى الهدوء الذي يتأمل فيه في ملكوت الله عز وجل، ويخرج من فتنة إغراء ومدح المادحين وذكر محاسنه ومناقبه، إلى خلوة يتذكر فيها أمره، ويحاسب نفسه.

كما أنه يخرج من هذه المشكلات والمعضلات التي قد تؤثر على نفسه وعلى إيمانه، فيصفو قلبه في لحظات من المناجاة لله عز وجل، والدعاء له، والسكينة إليه سبحانه وتعالى، ولذلك يحتاج المسلم بين الفينة والأخرى إلى أوقات قليلة من يومه، وإلى أوقات أطول قليلاً في أسبوعه وشهره؛ حتى يجعل لنفسه هذه المحطات التي يراجع فيها نفسه، ويخلصها من أدرانها وأوضارها، وأن يكون أيضاً مستقلاً فيها عن كل ما يؤثر على فكره ورأيه وموقفه؛ ليكون ذلك أدعى له إلى تجديد نشاطه، وإلى تقويم مسيرته.

وقد كانت هذه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فكانت معينة له ومهيئة له لاستقبال الوحي بعد ذلك، وما تلقاه من الرسالة.