للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خرصه، واستدل لذلك بأن الشريعة مطردة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مفترقين، وإنما ذكرت العرايا في التمر؛ لأن هذه المعاملة هي التي كانوا يفعلونها، العنب ليس كثيراً عندهم ولهذا يأتيهم الزبيب من الشام والتين، كذلك المدينة أكثر ما فيها التمر فلهذا جاءت العرية في التمر؛ لأنه الكثير عندهم، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وهذا القول هو الصحيح، وأما النقد بمسألة الحب بالزرع على أهلها لإخراج زكاتها، السنة جاءت بخرص ثمار النخل، أما الزروع فلم تآت به، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع العلماء على أن الزروع لا تخرص من أجل معرفة مقدار الزكاة فيها، وعللوا ذلك بأنه لا يمكن الإحاطة بها، إذ إن الحب محفوف بقشر، والقشر عليه عود، لهذا لا يمكن أن نقيس الرطب المشاهد المعلوم الممكن خرصه لا يمكن أن نلحق به ما كان مستوراً بقشوره.

من فوائد الحديث: التضييق في مسألة العرايا بأن تكون فيما دون خمسة أوسق، وهل هذا الشرط في الصفقة الواحدة أو في صفقات متعددة؟ فيه خلاف، فمن العلماء من قال: إنه شرط في الصفقة الواحدة، ومنهم من قال: إنه شرط في الصفقات كلها، وبيان ذلك: رجل عنده عائلة كبيرة احتاج إلى عشرة أوسق فاشترى من فلاح ثلاثة، ومن فلاح ثلاثة، ومن فلاح أربعة، كل صفة بمفردها لا تبلغ خمسة أوسق، لكن مجموعها عشرة فهل المعتبر كل صفقة بمفردها أو المعتبر حاجة الإنسان ويشتري ما زاد على الخمسة أو الخمسة فما زاد بصفقة أخرى؟ فيه خلاف، فقيل: متى اشترى الإنسان دون خمسة أوسق لم يشتر أكثر ولو في صفقة ثانية وثالثة ورابعة، ولكن الصحيح أن المعتبر الحاجة، وأن تكون فيما دون خمسة أوسق في الصفقة الواحدة، وعلى هذا إذا كان الإنسان عنده عائلة كبيرة أو كان رجلاً مضيافاً يغشاه الناس واحتاج أكثر من خمسة أوسق واشترى من عدة بائعين فإن ذلك لا بأس به، والدليل أن الرجل لو اشترى دون خمسة أوسق هل يشتري أخرى؟ نعم، إذا فالمدار على الحاجة لكن لا تبلغ خمسة أوسق في كل صفقة.

ومن فوائد الحديث: أن العبرة بحاجة المشتري، فإذا كان المحتاج البائع فهل تراعيه؟ يعني: صاحب البستان عنده عمال لا يأكلون إلا التمر وهو ليس عنده تمر ويقول: العمال يجوعون وتقولون يثمر بعد شهرين وأنا محتاج، فهل تقول: إن الشرع إذا أجاز للمشتري هذه الصفقة لحاجته للتفكه بالطرب فإجازته للبائع المحتاج للتمر لا تفكها من باب أولى؟ العلماء فيها على قولين: منهم من قال: إن هذه المسألة خرجت من القياس وعن العموم فلا يتعدى فيها النص والحاجة في الحديث للمشتري، ومنهم من قال: إن الشارع لا يفرق بين حاجة

<<  <  ج: ص:  >  >>