للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن هذا الإقرار؟ فيه تفصيل إن كان في حق المخلوق فإن رجوعه لا يقبل، وإن كان في حق الخالق ففيه خلاف

[١١ - باب العارية]

ويقال: العارية بالتشديد، والعارية من الإحسان الذي أمر الله به في قوله: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: ١٩٥]. لأنها -أي العارية- إباحة نفع عين تبقى بعد استيفاءه، أي: استيفاء النفع وتأمل التعريف «إباحة النفع»، وليست تمليك بل إباحة نفع، يعني: أنني أنا المعير أبحت لك أن تنتفع بما أعرتك لم أملكك إياه بل هو ملكي، والنفع لي لكني أبحتك أن تنفع نفع عين، تبقى بعد استيفائه، فإذا أباحة العين فهذا ليس عاري، إذا أباحه نفع عين لا تبقى بعد استيفائه، مثال لك: إن قال: أعرتك هذه الخُبزة، ما هو نفع الخُبزة؟ الأكل، إذا أكلتها لم تبق بعد الاستيفاء، ولهذا إذا أضيفت العارية إلى عين لا تبقى بعد استيفاء المنفعة فإنها لا تصح، لكن هل تنزل على المعنى الذي تصح عليه وهو الهبة، أو يُقال: لم تصح العارية مُطلقًا، وأن هذا المستعير إذا أكل الخبزة الني أعير فإنه يضمن قيمتها؛ لأن العارية لم تصح، أو يقال: إنها تصح على الوجه الذي يمكن أن تنزل عليه من وجوه الانتفاع.

وقولنا: إباحة نفع وليس بتمليك يُستفاد منه: أن المستعير لو أراد أن يؤجر العين التي استعارها فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟ لأن المنفعة ليست ملكًا له لكن أبيحت له إباحة، لو أراد أن يُعيرها مثل: أن يستعير شخص كتابًا من زميله ثم يطلبه زميل آخر فيعيره إياه فهل يملك؟ لا؛ لأنه لم يملك النفع، وإنما أبيح له أن ينتفع، ونظير ذلك من بعض الوجوه: أن الإنسان لو مرّ ينخل عليه تمر وليس عليه حائط ولا حوله ناظر فله أن يقف تحت التمر ويأكل حتى يملأ بطنه لكن لو قال: أنا أملأ بطني: كيلو وآخذ كيلو أبيعه فلا يملك هذا؛ لأنه إنما أبيح له الأكل فقط لا أن يحمل أو يمتلك، كذلك العارية إنما أبيح له أن ينتفع فقط وليس مالكًا للنفع.

[حكم العارية]

حكم العارية ذكرت أنها سنة؛ لأنها داخلة في عموم قول الله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: ١٩٥]. لكنها قد تجب أحيانًا، إذا رأيت شخصًا يحتاج إلى ثوب في الشتاء لشدة البرد وأنت معك ثياب فهنا يجب عليك أن تعيره ثوبك كي يدفع به شدة البرد، وجدت شخصًا عطشان، ولكن ليس معه إناء يستقي به من البئر ومعك دلو يمكن أن يستقي به من البئر فحكم العارية واجبة؛ لأن فيها إنقاذ لمعصوم، إنما الأصل فيها أن مستحبة، جاءك شخص يستعير منك سلاحًا لينحر به ناقة فلان ليأكلها هذا حرام؛ لأنها إعانة على محرم، إذن فالأصل أنها سنة وقد تحرم وقد تجب.

<<  <  ج: ص:  >  >>