للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مبني على الغالب، فإن الإنسان قد يشفع لغير المسلم؛ لأن ذا الذمة له حق وحماية، فإذا رأيت أحداً يريد أن يظلمه وشفعت له لدفع الظلم عنه كنت مأجوراً بذلك؛ لأنك تفعل هذا وفاء بالعهد والذمة الذي بين المسلمين وهذا الذمي، فيكون تقييدها بالأخوة من باب التغليب وليس من باب القيد.

من فوائد هذا الحديث: جواز الشفاعة، ووجهه: إثبات النبي صلى الله عليه وسلم لها وإقراره إياها، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، بل على حسب ما تقتضيه النصوص الشرعية والأصول المرعية، فإذا شفع في أمر باطل كانت شفاعته باطلة، وحراماً إذا كان حراماً ولكن المراد الشفاعة في الخير.

ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز لمن شفع في أمر يجب عليه الشفاعة فيه أن يأخذ هدية؛ لان وصف النبي صلى الله عليه وسلم لها بالربا يراد به التنفير منها، وكذلك من شفع لأخيه في غير الواجب، فإنه لا يأخذ على ذلك هدية؛ لما أسلفناه من أن الإنسان يكسب ويحصل ما لا يستحقه.

فإن قال قائل: ما تقولون فيما لو طلب منه الشفاعة وقال له المطلوب: أنا لا أشفع لك إلا بكذا وكذا من الأصل فهل يجوز؟

أقول: إنه إذا كان من الأصل لم تكن هذه شفاعة لم يحصل بها منة من الشافع بل هي إجارة ما لم تكن الشفاعة واجبة، إن كانت واجبة فلا يجوز له أن يقول لا أشفع إلا بكذا وكذا؛ لانه واجب ملزم به من قبل الشرع مثل أن يشفع له في دفع الظلم عنه أو حصول واجب له.

[الرشوة]

٨٠٧ - وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي". رواه أبو داود، والترمذي وصححه.

"لعنه" أي قال: لعنة الله عليه وهو خبر بمعنى: الدعاء؛ أي: دعا عليه باللعنة، والعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، قال تعالى لإبليس: {وإن عليك اللعنة} [الحجر: ٣٥]. وفي آية أخرى: {وإن عليك لعنتي} [ص: ٧٨]. أي: حقت عليه اللعنة، وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله أبد الآبدين؛ لان قوله: {إلى يوم الدين} لا يقتضي أنه بعد يوم الدين ترتفع اللعنة عنه، لكن من لعن إلى يوم الدين فهو ملعون أبد الآبدين، نسأل الله العافية.

<<  <  ج: ص:  >  >>