للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يعني: أن تدفن هذه النخامة, وهذا ظاهر فيما إذا كان المسجد قد فرش بالحصباء, أو الرمل أو ما أشبه ذلك, أما ما كان مفروشًا بالفرش القطنية أو الصوفية كما في وقتنا الآن فكفارتها فركها حتى تزول.

في هذا الحديث: دليل على احترام المساجد, وأنه يجب أن تصان عن كل هذا, وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف البزاق في المسجد بأنه خطيئة.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيء يداوي بضده, جهه. قوله: «كفارتها دفنها» , فإن البزاق في المسجد يبرز صورة البزاق, فإن دفنه زال ذلك.

ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق طاهر, وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفارتها دفنها» , ولم يقل: يصب الماء عليها, كما قال في بول الأعرابي: «أريقوا عليه سجلًا من ماء».

ومن فوائد هذا الحديث: أن البزاق في المسجد خطيئة ولو أراد الإنسان أن يدفنها, وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بأنها خطيئة, ثم ذكر كفارتها, ومن المعلوم أن الإنسان لا يحل له أن يفعل الخطايا ويكفرها, لكن الكفارة تكون إذا وقعت الخطيئة دون قصد, أما إذا فعلت الخطيئة بنية التكفير فهذا لا يجوز.

ولهذا لو أن إنسانًا قال: إنه يجامع في نهار رمضان مع عزمه علىأن يكفر أيحرم أو لا يحرم؟ يحرم, مع أن التكفير يستر الذنب ويتجاوز به عنه.

كذلك لو قال إنسان في واجبات الحج التي تجبر بالدم: إنه يريد ألا يبيت في منى لا يرمي الجمرات ولا يطوف للوداع, ولكنه مستعد أن يذبح عن كل واجب فدية أيجوز؟ لا يجوز؛ ولهذا يغلط بعض الناس حيث يظن أن الإنسان مخير بين ترك الواجب والفدية, فيقال: لا, الأمر ليس إليك, لكن إذا فات الأمر بغير قصد فإنك تفدي, أما أن تكون مخيرًا فهذا يعني هدم النسك بالكلية؛ إذ لو قلنا بذلك لاقتصر الحاج على الأركان والباقي يفدي عنه ويمشي لأهله, فتجده يحرم ويقف بعرفة, يحرم من أين؟ من أي مكان أراده؛ لأن الإحرام من الميقات واجب, لكن أصل الإحرام ركن, أحرم, ووقف بعرفة وطاف وسعى أربعة أشياء فعلها والباقي قال: نفدي عنه كونه من الميقات هذه فدية, المبيت بمزدلفة فدية, رمي الجمار فدية, المبيت في منى فدية, طواف الوداع فدية, الحلق أو التقصير فدية, البقاء بعرفة إلى الغروب فدية, هذه سبع يقول: ما يهمني, يشتري له ثورًا ويذبحه ويقول في أمان الله, هذا لو قلنا بأن الإنسان مخير بين هذا وهذا, لكن نقول: الواجب يجب فعله, لكن إذا فات فوات الحرص فإنه يفدي.

إذن نأخذ من هذا الحديث: تحريم البزاق في المسجد, ولكن لكل داء دواء: «كفارتها دفنها».

<<  <  ج: ص:  >  >>