للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

جبرائيلُ عليه السلام نظرًا إلى سِعَة رَحْمَتِهِ تعالى، فإنه أُمكن أن يُغْفَر له خَرْقًا للعادة. ثُم أقول: إن الكلمة التي قالها فِرعون وهي: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: ٩٠] لا تتعينُ إيمانًا في حال الاختيار أيضًا إلاّ أن ينوي بها ذلك. فإنَّه أحاله على بني إسرائيل، فإنْ أراد بتلك الجملةِ إيمانَه فذاك، وإلا فتحتَمِل معانٍ أُخْرى أيضًا.

وكتب السُّيوطي رحمه الله تعالى رسالةً في تأييد الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وَرَدَّ عليه القاري رحمه الله تعالى وسمَّاهَا: «فِرّ العَوْن من مُدَّعي إيمانِ فرعونَ»، وقد شدَّد في اسمه جدًا. فإن قلت: وعلى هذا ينبغي أن يُعتبر إيمانُ قوم يونس عليه السلام أيضًا، فإنَّه كان عند مشاهدةِ العذاب. قلتُ: أمَّا أولا: فلأنَّهم قد استثناهم القرآنُ بِنَفْسه فلا يقاس عليهم. وأما ثانيًا: فبالفَرْق بينهم وبين فرعونَ، فإنَّه آمن حينَ أحاط به عذابُ الاستئصال، وهؤلاء آمنوا بمجردِ الرؤية قَبْلَ أن يدخلوا في العذابِ. وسيجيءُ تحقيقُ الكلام في التفسير أبسطَ منه.

٨١ - باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ

وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ رَأَيْتُنِى وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِى زَمَنِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.

١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». أطرافه ٢١٦، ٢١٨، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - تحفة ٥٧٤٧ - ١٢٠/ ٢

والجريد هو الغُصْن التي جردت عنها أورَاقُهَا. وفي «الدر المختار»: إنَّ إنباتَ الشجرةِ مُسْتحبٌّ. وقال العيني رحمه الله تعالى: إن إلقاءَ الرياحين ليس بشيءٍ، ولم يَمْنع عن إنباتِ الشجرةِ. وفي «العالْمكِيرية»: أنَّ إلقاءَ الرياحين أيضًا مُفِيد: قلتُ: والاعتماد على ما ذكره العيني (١).


(١) يقول العبد الضعيف: وهذا كلُّه إذا لم يبالغ فيه الناسُ، فإذا بالغوا فيه وتجاوزوا حدودَ اللهِ ينبغي للعالم أن يَمْنعَ عنه. فإِنَّ مادة البِدْعة لا تكون إلا أمثالَ هذه الأمور. ويتعلق به ما في العيني: أنَّ ضَرْبَ الفُسطاط إن كان لغرضٍ
صحيح كالتستر من الشَّمْسِ مثلًا للأحياء لا لإِظلال الميت فقط جاز. اهـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>