للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

يَفْهَمْه صاحبُ «العناية» وزعم أن صاحب «الهداية» أجازَه تحت مسألةٍ عامَّة من باب القضاء، أنَّ القضاءَ إذا لَحِق فَصْلا مُجْتهِدًا فيه صار مجمعًا عليه.

وحاصله أن استمتاع الغني، وإن لم يكن جائزًا عندنا، لكنه إذا لحِق به قضاءُ النبي صلى الله عليه وسلّم صار جائزًا عندنا أيضًا. فبقي المَذْهب عدم الجواز. وإنَّما نزلنا إلى الجواز لمسألةٍ أخرى. قلت: والصوابُ أن صاحب «الهداية» أجازه على المذهب، فللغَنيِّ أن يستمتع بها أيضًا عند إذن الإِمام، أما ما ذكره صاحب «العناية» فلا اختصاص له ببابٍ دون باب، بل يجري في كلِّ باب، كيف وإن هذا الباب إنما حدث بعد زمن الأئمة، والكلام في زمن النبيَ صلى الله عليه وسلّم.

ثم اعلم أنهم اختفلوا في تعريف المُجتهد فيه على ثلاثة آراء: ففي «فتح القدير»: أن المجتهد فيه ما دار فيه الخلافُ في القرون الأولى. ويستفادُ من كتاب - «القُدُوري» - أنه ما لا يكون مخالفًا للكتاب والسنة والاجماع، فإِنْ خالفَ واحدًا منها لا يُسمى مجتهدًا فيه، والثالث ما في عبارة صاحب «الهداية» فراجعه.

[فائدة]

واعلم أنَّ الأئمة إذا اختلفوا في مسألةٍ فلا سبيل لِرَفْعه إلا قضاءُ القاضي. فهذا باب في الشريعة لرَفْع الخلاف من البَيْن، وكان لا بدَّ منه. فإِذا قَضَى به قاضٍ من أيِّ مذهبٍ كان، لَزِم على الآخرين، وارتفع الخلافُ في ذلك الجزئي، وصار مجمعًا عليه.


= إذا علمت هذا فاعلم أن للإمام ولايةٌ عامَّة، لأَن يأذن بالاستمتاع لمنْ شاء من رعيته، وللرجل ولايةً خاصَّة يَصْرِفها على نفسه، ولكنها تحت الولاية العامة. فَمهْما تُحذف العامة من اللفظ يتبادر إلى الذِّهْن انتفاؤها رأسًا، مع كونها مرعيةً في النظر، ولا بد، وهو على شاكلة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن جاء صاحِبُها، وإلا فشأنُك بها". فإِنَّه يدلُّ على أن الملتقِطَ يَصْرِفها على نفسه بولايتها، مع قَطع النَّظر عن الولاية العامَّة، ونقول: إن الاستمتاعَ لا نُنْكِره أيضًا، إلا أَنه تحت ولايةِ الإِمام، لأن ولايته مرعيةٌ في الحالين، فلا يحِل له الاستمتاعُ ما لم يأذن به الإِمام.
فهذا تخييرٌ في العبارة فقط، وإنَّما يُتوهم التخييرُ لحذف الوِلاية العامَّة من اللفظ، كيف وإنَّ اللقطة ليست من مال نفسه، فلا بد أن يكون له إذنٌ، إما من صاحبه، وإن فاته ذلك، فلا أقل مِن أن يكون مَن ينوبُ عنه في غيبوبته، وهو الإِمام، وإذا لم يكن عنده لا هذا. ولا ذاك فلا خيرَ له في استمتاعه، إلَّا أن يكون فقيرًا مُحتاجًا إليه.
هذا هو الذي أراده صاحب "الهداية" من إِذْن الإِمام، لاجره إلى باب القضاء في الفَضْل المُجْتهد فيه. وهذا الذي أقول في قوله - صلى الله عليه وسلم -: فإنه لا صلاة من لا يقرأ بها، فإِنه حال عامة، إذا لم يكن تحت ولاية عامة، أما إذا كان تحت ولاية الإِمام، فليس حالة ذلك، وتكون له صلاةٌ مع عدم القراءة، يتحمَّلُها الإِمام عنه، ولما كان حاله ذلك في حال الانفراد، توهم كونه حالًا له في الاقتداء، يقول العبد الضعيف: ومن هذا الباب قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أقيموا الحدودَ على أرقائكم"، وقوله: "من قتل قتيلًا فله سَلَبُه، وقوله: "مَن أحيا أرضًا ميتةً فهي له، كلها عندنا تحت ولاية عامةٍ، فإِنَّ الحُدود إلى الإِمام، والسَّلبُ والإِحياء من أذنه، وخالفنا الشافعية في الأحاديث كلِّها قصرًا على الولاية الخاصة وراجع تفصيله من هذا التقرير ولقد بسطت الكلام على ما فهمت، وكانت المذكرة مجملة جدًا، لا أدري أهذا كان مرادُ الشيخ أم لا؟ والله تعالى أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>