للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

بهجوه ولو كان جائزًا في الجملة. كما رأيت في باب الهجرة، فإنه إذا أحبَّ الهجرة وكرهَ إقامة المسلم بين أَظْهُر الكفَّار، استمرَّ على النهي، ومع ذلك خَرَجَ الجوازُ من الأطراف. أمَّا الأحاديثُ، فقلَّما تَسْلُكُ هذا المسلك.

٢٠٨٦ - قوله: (نهي النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن ثَمَنِ الكَلْبِ) واختلف أصحابُنا في بيع الكلب. ففي «المبسوط»: أنه يجوز بيع المعلَّم خاصةً. وفي «الهداية»: جوازه مطلقًا، نظرًا إلى أن الكلبَ صالحٌ للتعليم، فجاز بيعه كبيع المعلَّم بالفعل. فنظر السَّرَخْسِي إلى التعليم حالا، وصاحب «الهداية» إلى التعليم، ولو مآلا. والأول أوفق بالحديث، لِمَا ثبت عند النَّسائي استثناء المعلَّم. وقال النَّسائي: إنه مُنْكَرٌ. وراجع ما في هامشه من «عقود الجواهر». ومن اختار جواز البيع مطلقًا، حَمَل النهي على التنزيه. وحمله الطحاويُّ (١) على زمان حَرُمَ فيه اقتناؤها، فإذا رُخِّص فيه جاز البيع والشراء أيضًا. فراجع كلامه من «معاني الآثار».

وقال الخطَّابيُّ في «معالم السنن» (٢) في معنى النهي عن بيع الهرَّة: إنه كونها شيئًا خسيسًا، فليتركها على الإِباحة الأصلية من أَخَذَهَا، فهو أحقُّ بها. ولا يُنَاسِبُ أن تجري فيها البيوع، فإنها تُنَاسِبُ بكرائم الأموال، وشأنها أدون من أن تُقْصَدَ بالبيوع. وهكذا هو العملُ في بلادنا، فإنهم يَتَدَاولونها مجَّانًا، ولا يأخذون ثمنها. فهذا تعليمٌ للأخلاق الفاضلة، وما ينبغي أن يُعَامَلَ مع هذه الحيوانات. لا أنه نهى عن بيعه حقيقةً، فلو باعها صَحَّ لا مَحَالَةَ، ولك أن تَقِيسَ عليها الكلب أيضًا.

قوله: (ولَعَنَ المُصَوِّر)، وراجع «فتح القدير» لمسائل التصاوير. أمَّا إن الملائكة، هل تَدْخُلُ بيتًا فيه تصاوير، رَخَّصَ بها الشرعُ؟ فالظاهر أن لا، فأنت تفعل ما في عالمك، وهم يفعلون ما في عالمهم، ولطباعهم تَنَافُرٌ من الأَنْجَاس، والأَرْجَاسِ، والتصاوير، وأمثال ذلك. فما عليهم أن لا يَدْخُلُوا بيتًا تكون فيه تلك، وإن رَخَّصَ لك فيها بتفاصيل، ذُكِرَت في المبسوطات.


(١) وفي "المعتصر" يحتمل أن يكون تحريمه لأجل الدناءة، واحتمل أن يكون النهي عن ثمن الكلب إذا كان الأمر فيه بقتل الكلاب، وقد اختلف أهل العلم فيه، فطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان الكلاب كلها، وممن ذهب إلى ذلك مالك، والشافعي، وطائفة ذهبت إلى تحريم أثمان ما لا يحل الانتفاع به منها، وإباحة أثمان غيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، وهو أولى القولين بالقياس، لأن الكلب المأذون في الانتفاع به، كالحمار الأهلي في جواز الانتفاع به، وتحريم أكل لحمه، فوجب أن يكون مثله في جواز بيعه: ص ٢٣٩ - ج ١، ملخصًا.
(٢) قال الشيخ: النهي عن بيع السنور متأول، على أنه إنما كره من أجل معنين، إما لأنه كالوحشي الذي لا يملك قياده، ولا يصح التسليم فيه الخ، والمعنى الآخر: أن يكون إنما نهى عن بيعه لئلا يتمانع الناس فيه، وليتعاوروا ما يكون منه في دورهم، فيرتفقوا به ما أقام عندهم، ولا يتنازعوه إذا انتقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الأغلاق، وقيل: إنما نهى عن بيع الوحشي دون الإنسي، وقد تكلم بعض العلماء في إسناد هذا الحديث، وزعم أنه غير ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وممن أجاز بيع السنور ابن عباس، وإليه ذهب الحسن البصري، وابن سيرين، والحكم، وحماد، وبه قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكره بيعه أبو هريرة، وجابر، وطاوس، ومجاهد، اهـ: ص ١٣٠ - ج ٣ "معالم السنن".

<<  <  ج: ص:  >  >>