للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

كانا يأمران سُعاتهما، أن لا يخرُصُوا خُمس العَرَايا. وبمثله شرحوا ما عند أبي داود: ص ٢٢٦: «إذا خَرَصتُم فجُزوا ودعوا الثُّلث، فإنْ لم تدعوا الثلث فدعوا الربع». ونقل الخَطَّابي أنه قال في «شرحه»: إن معناه أن اتركوا لهم ذلك ليتصدقوا منه على جيرانهم، ومن يطلب منهم، لا أنه لا زكاة عليهم في ذلك. اهـ.

فلما جاز لهم أن يحملوا رفعَ الصدقةِ عن الثلث والربع، رعاية لهم ليتصدقوا على الجيران، لا لانتفاء الزكاة فيها، جاز لنا أيضًا أن نحملَ نفي الصدقة في خمسةِ أوْسُق لمعنى العَرِيَّة، لا لعدم الزكاة فيها. والعَرِيَّة عندنا أيضًا تصدقٌ على الققراء، فإِن هم جوَّزوا التخفيف في الثلث الذي أمكن أن يزيد على خمسة أوسُقٍ بمرّات، فقد جوّزناه في أقل منه، فلم جلبوا علينا؟

وحينئذٍ خرج جزءُ الجواب من نفس الحديث، أعني كونَ تلك الخمسة من العَرِيَّة، وأن نفَي الصدقة عنها نظرًا إلى العَرِيَّة، وهذا ما كنا نريده.

ومحصل الجواب أن النفي في حديث أبي سعيد ليس لثبوت النِّصاب في الثمار، وأن خمسة أوسق تبقى في ناحية بيته، لا تجبُ عليه فريضة الله، بل لأنه يتصدَّقُ فيها بنفسه، فلا تُؤخذ منه صدقة ترفعُ إلى بيت المال. وأما حديث ابن عمر فبيانٌ للواجبِ في نفس الأمر، سواء رُفع إلى بيت المال، أو أمر بأدائه بنفسه، فلا تعارض أصلا.

ثم إني تمسكتُ للمذهب بما عند الطحاوي: ص ٢١٣ بإِسناد قوي، ولم أر أحدًا منهم تمسك به عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رخص في العَرِيَّة في الوَسْق، والوَسْقين، والثلاثة، والأربعة؛ وقال: في كل عشرة أقناء قنو، يُوضع في المسجد للمساكين». اهـ. والقِنَوْ: العِذْق بما فيه من الرطب. ومرادُه عندي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم إنما أجاز بالعَرِيَّة إلى أربعة أوْسُق. وأما المسألة فيما زاد فهي كما ذكرها فيما بعد، أعني إيجاب العُشر، حتى أوجب في عشرة أَقْنَاء قِنوًا. وحينئذ صار الحديثُ صريحًا فيما رامه الحنفية.

وإنما لم يتمسك به الطحاوي، ولم يخرجه في باب الزكاة لأنه يمكن أن يكون الأمرُ بوضع الأَقْنَاء من تلك الأَوْسُق التي أجاز فيها بالعَرِيَّة، وحينئذ لا يكون القِنْو زكاةً، وعشر إبل من العرية.

وأما ما قررت من المراد، فالاستدلال منه قائم.

ثم إن الحديث أخرجه ابن أبي شيبة متنًا وسندًا في «مصنفه»، ومر عليه الحافظ في موضعين، ولم ينقله بتمامِهِ، بل قال بعد قطعة منه ... الحديث. وأنا أعلمُ ما يريدُ، ولعله تفطَّنَ أن الجملة الأخيرةَ تنفعُ الحنفية، فأراد أن يتركَهم في غَفْلة. وقد جربتهُ مِرارًا في مثل هذه المواضع. وهذا الحديث أخرجه أبو داود: أيضًا في باب حقوق المال إلا أن لفظه: «أمر من كل جادّ عشرةِ أوسقٍ من التمر بقِنْوٍ يعلق في المسجد للمساكين». اهـ. فانقلب منه مرادُه، ولم تبق

<<  <  ج: ص:  >  >>