للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ. أطرافه ١٤٨٨، ٢١٩٥، ٢١٩٨، ٢٢٠٨ - تحفة ٧٨٣

أي ثمار النخل.

قوله: (حدَّثنا مُعَلَّى) تلميذٌ لأبي يوسف.

واعلم أن بيعَ الثمار إمَّا أن يكونَ قبل البُدُوِّ أو بعده، وكلٌّ منهما إمَّا يكون بشرط القطع، أو بشرط الترك، أو بشرط الإِطلاق، تلك ستُّ صُوَرٍ. فذهب الشافعيُّ إلى جوازه بعد البُدُوِّ في الصُوَر الثلاث مطلقًا، كما هو مقتضى مَفْهُومِ الحديث. وإلى عدم جوازه قبل البُدُوِّ، كما هو مقتضى مَنْطُوقِهِ، إلا إذا كان بشرط القطع، فإنه بعد القطع لا يبقى محلا للنزاع، فهو مستثنى عقلا.

والحاصلُ: أنه عَمِلَ بمجموع المَفْهُومِ والمَنْطُوقِ، وخصَّص من المنطوق صورةً واحدةً بدلالة العقل.

وأمَّا مذهبُ الحنفية على ما فصَّله صاحب «الهداية»، فهو: أن البيعَ بشرط القطع جائزٌ في الفصلين، كما أن البيعَ بشرط الترك فاسدٌ في الفصلين. أمَّا إذا كان بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ في الصورتين، إلا أن البائعَ إن أمر المشتري بقطع ثماره وَجَبَ عليه قطعه، وتفريغ مِلْكه على


= لم يُوجِب في العُشْر على المشتري. وصحة البيع على هذا التقدير، بناءٌ على التعويل على إذن البائع، على ما ذكرنا من قريب، وإلَّا فلا انتفاع به مطلقًا، فلا يَجُوزُ بيعه. والحِيلَةُ في جوازه باتفاق المشايخ: أن يَبِيعَ الكُمَّثْرى أول ما تَخْرُجُ مع أوراق الشجر، فيَجُوزُ فيها تَبَعًا للأوراق، كأنه وَرَقٌ كلُّه. وإن كان بحيث يُنْتَفَعُ به، ولو عَلَفا للدَّوَاب، فالبيعُ جائزٌ باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع، أو مطلقًا، ويجِبُ قطعه على المشتري في الحال. فإن باعه بشرط الترك: فإن لم يكن تَنَاهى عِظَمُهُ، فالبيعُ فاسدٌ عند الكل، وإن كان قد تَنَاهى عِظمُهُ، فهو فاسدٌ عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وهو القياس. ويجوز عند محمد استحسانًا، وهو قولُ الأئمة الثلاثة، واختاره الطَّحَاوِيُّ لعموم البلوى. وفي "المنتقى" ذكر أبو يوسف مع محمد. اهـ.
وقال الشيخُ النووي: إن باع الثمر قبل بُدُوِّ صلاحها -بشرط القطع- صحَّ بالإِجماع. قال أصحابُنا: ولو شرط القطعَ، ثم لم يَقْطَع فالبيع صحيحٌ، ويُلْزِمُه البائعُ بالقطع، فإن تَرَاضَيَا على بقائه جاز. وإن باعها -بشرط التبقية- فالبيعُ باطلٌ بالإجماع، لأنه ربَّما تَلَفتِ الثمرةُ قبل إدراكها، فيكون البائعُ قد أَكَلَ مالَ أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث. وأما إذا شرط القطعَ فقد انتفى هذا الضرر. وإن باعها مطلقًا بلا شرط، فمذهبنا، ومذهب جمهور العلماء: أن البيعَ باطلٌ لإِطلاق هذه الأحاديث. وإنما صحَّحناه بشرط القطع للإِجماع، فخصَّصنا الأحاديث بالإجماع فيما إذا شرط القطع. ولأن العادةَ في الثمار الإِبقاءُ، فصار كالمشروط.
وأما إذا بِيعَت الثمرةُ بعد بُدُوِّ الصلاح، فيجوز بيعها مطلقًا وبشرط القطع، وبشرط التبقية لمفهوم هذه الأحاديث، ولأن ما بعد الغاية يُخَالِفُ ما قبلها إذا لم يكن من جنسها، وأن الغالبَ فيها السلامة، بخلاف ما قبل الصلاح.
ثم إذا بِيعَت بشرط التبقية، أو مطلقًا يُلْزِمُ البائع تبقيتها إلى أوان الجُذَاذ، لأن ذلك هو العادةُ فيها. هذا مذهبُنا، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: يَجِبُ شرط القطع - بعده بياض في النسخ قلتُ: ونحوه ذكر الخطابيُّ في "معالم السنن".

<<  <  ج: ص:  >  >>