للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

(زَمِّلُونِي) ولا يذهب وَهْلُك إلى نزول المُزَّمِّل في هذه القصة، نظرًا إلى مجرد اشتراك اللفظ، فإنه متأخر قطعًا.

(ما يُخْزِيك الله) أصلُ الخْزِي أن يفوَّض أمرٌ إلى رجل فلا يستطيع حمله فيتركه، فيُعَدُّ غُمْرًا بين الناس وغيرَ أهل له.


= لأنه يدل على أن لا محيي عنده إلا هو ولذا سأله عن الأحياء. ثم هذا ليس فيما يجب به الإيمان لأنه يجب على نفس الأحياء لا على كيفيته كيف هي فما يجب الإيمان به لم يقع السؤال عنه وما وقع عنه السؤال وهو كيفيته لا يجب الإيمان به كالإيمان بالقيامة فإنه واجب. أما أنها كيف تقدم فليس مما يتعلق به الإيمان. إذا علمت هذا فاعلم أن النبوة أيضًا يجب الإيمان بها للنبي أيضًا. ولكنها غيب وقد علمت أن الغيب يبقى معه أمور ولو احتمالًا عقليًا لا تجويزًا واقعيًا فربما يضطرب فيها النفس كتردد النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مشاهدة الفزع والريح مع أن ذاته الشريفة كانت آمنة من العذاب لأمته ولكنه كانت الرياح والسحاب تهمه همًا شديدًا حتى كان يرى ذلك في وجهه فإذا مطرت انكشف عنه، فهذا التردد والفزع كله كان لفرض احتمال المفروض كالواقع لغناء رب العالمين عن العالمين وفي مثله تتجاذب الأطراف عند الخائف الخاشع فوعده بالأمن يسليه ويكشف همه ولمثله خاف موسى عليه الصلاة والسلام حين ألقى السحرة حبالهم فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى حتى قال له ربه لا تخف إنك أنت الأعلى وهذا لكون علم العاقبة غيبًا لا يدري ما الله صانع به فقس عليه الخشية فيما نحن فيه. فلا تردد في النبوة ولا شك ولا شيء ولكن الخشيهَ وغيرها إنما كانت في متعلقاتها التي لا تدخل تحت الإيمان أصلًا كخطور عواقبها في القلب وأنه كيف يتحمل هذا الخطب العظيم. وأنه ماذا يعامل معه من تلقاء قومه. وأنه هل ينتصر له أو عليه؟ كما في حديث مسلم في المشكاة في باب الإنذار والتحذير في حديث طويل وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت رب إذا يثلغو رأسي فيدعوه خبزة واحدة إلخ.
ومن ههنا تبين معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في المشكاة في "حديث الكهانة" قال: قلت: كنا نتطير قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدقكم. فوجدناهم الشيء في أنفسهم لم يعد مخالفًا لإيمانهم. وإنما يخالفه انبساطه والعمل عليه.
وبه ينحل ما أشكل على الناس في حديث الوسوسة عند مسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم قال أو قد وجدتموه؟ قال نعم، قال: ذاك صريح الإيمان. فوجدان الشيء من آثار الغيب والتعاظم. بتكلمة عين الإيمان ولكن في وساوس ووساوس فرقًا فلا تستحمق ووسوسة كل على حدة، فلا تختلط بين الناس والناس، فإن من عباد الله حسناتهم سيئات المقربين. وجملة الأمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشك ولكنه عراه من الشدة وغيرها ما لو عرا أحدًا لمات فرقًا فإن عطايا الملك لا يحملها إلا مطاياه. ألا ترى أن الله سبحانه لما تجلى للجبل جعله دكًا بخلاف موسى فإنه لم تأخذه إلا غشية ثم لو فرضنا أنه كان بقي في نفسه ما يبقى في المغيبات لما ضر أيضًا ولما ناقض إيمانه وإذعانه كما مر وحمل الألفاظ الواردة في هذا الباب على غير هذا مشى على خلاف المراد وتأسيس لدين دانه ثمود وعاد فإلى الله المشتكى ومنه المبدأ وإليه المعاد ولما زورت تلك المقالة في نفسي إرغامًا، لبعض الملحدين طلبت لها نقلًا عن أحد قبلي فلم أجده حتى إذا أتممتها فوجدت أن الشيخ السنوسي رحمه الله أشار إلى بعضها في شرح مسلم وهو ما ذكرناه في حكمة بلوغ هذا الجزء من جهة خديجة رضي الله تعالى عنها قال السنوسي في حكمة ما اتفق له في نداء القصة أن يكون سببًا في انتشار خبر في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه وطريقًا في معرفتهم مبائنة، ومن سواه في أحواله لينبهوا على محله فلله الحمد وإنما طولت الكلام فيه ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وقد كنت أسمع نحوه من شيخي رضي الله تعالى عنه فما ذكرته لدقته وتعاليه عن إفهام الناس وخفت أن لا يكتنه كنهه جاهل ثم يكب في هوة من النار فإن لكل إنسان لمة لا يوعده إلا بالشر وإنما كتبت هذه السطور لإرغام بعض الجهلاء فإن طابق لما حققه العلماء فيها وإن خالفهم ولو جناح بعوضة فالطرب على الجدار أولى فإني مع الجماعة. ومن شذ شذ في النار.

<<  <  ج: ص:  >  >>