للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كان حالًا لم يخل من أن يكون حالًا من الفاعل، أو المفعول، فإن جعلته حالًا من الفاعل السائل لم يسهل؛ لأن الخبير لا يكاد يَسأل إنما يُسأل. ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا؛ لأن المسؤول عنه خبير أبدًا، وليس للحال كثير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون {خَبِيرًا} إذًا: مفعولًا به؛ كأنه قال: فأسأل عنه خبيرًا. أي. مسؤولًا خبيرًا. وكان المعنى: سل يتبين بسؤالك، وبحثك من تستخير ليتقرر عندك ما اقتص عليك من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك وتعلمه بالفحص عنه والتبين له، قال: ومما يقوي: أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا، قول أمية:

وسلْ ولا بأسَ إنْ كُنتَ امرءًا عَمِهَا ... إنَّ السؤالَ شِفا منْ كانَ حيرانَا (١)

أراد: سل حتى تتبين بسؤالك؛ ألا ترى أنه قال: إن السؤال شفاء من كان حيرانًا. والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء، إنما يكون شفاءً إذا اقترن به العلم والتبين. وكذلك المراد في قوله: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.

وأجاز أبو إسحاق، وغيره، في هذه الآية، أن يكون الوقف والتمام عند قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ثم يبتدئ {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} فيكون ابتداء، و {فَاسْأَلْ بِهِ} الخبر (٢). ومن لم يقف على العرش، فارتفاع


(١) العمه: الذي يتردد متحيرًا، لا يهتدي لطريقه ومذهبه، والعَمَه في الرأي، والعمى في البصر. "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٩ (عمه). ولم أجد من ذكر هذا البيت.
(٢) الوقف التام هو الوقف على كلام تم معناه، ولم يتعلق بما بعده لفظًا، ولا معنى، وهو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده. والوقف الكافي: هو الوقف =

<<  <  ج: ص:  >  >>