للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في هذا إلى الذوق السليم، والطبع المستقيم، كما أن مَعْك الوجه بالتراب امتثالًا للآمر وطاعةً وعبوديةً (١) تكسبه وضاءةً ونظافة وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين؛ ولما كانت الرِّجلان تَمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا يباشره بقية الأعضاء كانت أحق بالغسل، ولم يُوفَق للفهم عن اللَّه ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل.

فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس، وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصى اللَّه سبحانه ويُطاع؛ فاليد تبطش، والرجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، فكان في غسل هذه الأعضاء -امتثالًا لأمر اللَّه، وإقامة لعبوديته- ما يقتضي إزالة ما لحقها (٢) من دَرنِ المعصية ووسخِها.

[[ما يكفره الوضوء من الذنوب]]

وقد أشار صاحب الشرع -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: "يا رسول اللَّه! حَدثني عن الوُضوء، قال: "ما منكم من رجل يُقرِّبُ وضوءَه فيتمضمض ويستنشق فينثُر (٣) إلا خرَّت (٤) خطايا وَجْهه من أطرافِ لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المِرْفقين إلا خَرَّت (٥) خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت (٥) خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلَّى فحمد اللَّه وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو أهلُه -أو هو له أهلٌ- وفرغ قلبه للَّه إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" (٦)، وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا توضأ العبدُ المسلمُ -أو المؤمن- فغسل وجْهَه خرج من


(١) في (ن): "امتثالًا لأمره وطاعته وعبوديته".
(٢) في (ك) و (ق): "تحتها" وصححها في هامش (ق).
(٣) في (ك): "وينتثر" وسقطت من (ق).
(٤) في (ن) و (ق): "ويستنشق إلا خرجت".
(٥) في (ن): "إلا خرجت".
(٦) رواه مسلم (٨٣٢) كتاب (صلاة المسافرين): باب إسلام عمرو بن عبسة، وانظر: "الطهور" لأبي عبيد (رقم ٤، ١٣) فقد أسهبت في تخريج الحديث في تعليقي عليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>