للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من كتب القوم من أوَّلها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوّته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة" (١) وقال بعد تحرير مسألة أخرى: "وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا نظفر به في غير هذا الكتاب" (٢).

وحقَّ لصاحبه أن يقول هذا، إذ لم يكتف ابن القيم في هذه المسائل وغيرها بتقرير الراجح عنده فيها مع التدليل عليها، بل كان له في عرضها منهج متميز، مع ما صحبه من نقاش واستنباط، يمثل القمة فكرًا وأسلوبًا وإبداعًا، ينمي الملكة ويستثير الموهبة في الطلبة والمطلعين.

[المحور الثالث: الإنصاف والأمانة والتقدير والموضوعية والترجيح]

يزيِّن (الحقّ) العدلُ، فكما أنّ ابن القيم حرص على الوصول إلى الحق في (مباحثه) و (مسائله)، فإنه سلك إلى ذلك طريقًا سهلًا عدلًا، وهو المهيع الذي عليه الربانيون، وشُداة الحق الصادقون، وتمثل ذلك في الأمور الآتية:

أولًا: نقل المذاهب عن أصحابها، وعزاها إلى الكتب المعتمدة (٣) فيها،


(١) "إعلام الموقعين" (٣/ ٣٦)، وهذا ما صرح به صديق حسن في "ظفر اللاظي" (ص ٢٨)، وغيره.
(٢) "إعلام الموقعين" (٤/ ٤٩٦)، واعتزاز ابن القيم بعلمه ظاهر في كثير من كتبه، فها هو يقول بعد كلام في "بدائع الفوائد" (٢/ ٨٩): "فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي روضة أنف، منح العزيز الوهاب فهمها، وله الحمد والمنة!، وانظر -غير مأمور-: (٢/ ٨، ٨٩، ١٤٦، ١٤٧، ١٦٠، ١٧٥) وقال في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٣٢) عن (الجنة التي أخرج منها آدم): "فقد ذكرنا في هذه المسألة من النقول والأدلة، والنكت البديعة، ما لعله لا يوجد في شيء من كتب المصنفين، ولا يعرف قدره إلا من كان من الفضلاء المنصفين"، وانظر منه: (٢/ ١١٠).
وانظر لتتمة الكلام على سمة (اعتزاز المصنف بعلمه) مع (تواضعه) في (المحور الرابع): (خامسًا).
(٣) مضى بيان ذلك مفصلًا تحت عنوان (مصادر المصنف وموارده في كتابه هذا)، وذكر الجويني في "غياث الأمم" (ص ٤١٧) ضرورة نقل الفقيه من المصادر وعدم اعتماده على الحفظ، فقال:
"لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كَيْسٍ وفطنة وفقهِ طبع؛ فإن تصوير مسائلها أولًا، وإيرادَ صورها على وجوهها لا يقومُ بها إلا فقيه. ثم نقلُ المذاهبِ بعد استتمامِ التصويرِ لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه خبيرٍ، فلا ينزلُ نقلُ مسائل الفقه منزلةَ نقلِ الأخبار والأقاصيص والآثار. وإن فُرض النقلُ في الجليات من واثقٍ بحفظه =

<<  <  ج: ص:  >  >>