للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فصل [حكمة شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها]]

وأما قوله: "وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق بها (١) العار" فهذا من أعظم محاسن الشريعة؛ فإن قاذف الأجنبية مستغنٍ عن قذفها، لا حاجة له إليه ألبتة؛ فإنَّ زناها لا يضره شيئًا، ولا يُفسد عليه فراشه، ولا يُعلق عليه أولادًا من غيره، فقذفُها (٢) عدوانٌ محض، وأذًى لمحصنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، فترتب عليه الحدّ؛ زجرًا له وعقوبةً، وأما الزوجة فإنه يلحقه بزناها من العارِ والمَسبَّة وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به، وانصراف قلبها عنه إلى غيره؛ فهو محتاجٌ إلى قذفها، ونفي النسب الفاسد عنه، وتخلصه من المسبة والعار؛ لكونه زوج بغي فاجرة، فلا (٣) يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب، وهي لا تقرُّ به، وقول الزوج عليها غير مقبول؛ فلم يبق سوى تحالفهما بأغلظ الأيمان، وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذِبَيْن، ثم ينفسخ (٤) النكاح بينهما؛ إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدًا؛ فهذا أحسنُ حكم يُفصل به بينهما في الدنيا، وليس بعده أعدل منه، ولا أحكم، ولا أصلح، ولو جمعت عقول العالمين لم يهتدوا إليه، فتبارك من أبان (٥) ربوبيتَه ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.

[فصل [الحكمة في تخصيص المسافر بالرخص]]

وأما قوله: "وجَوز للمسافر المُترفِّه في سفره رخصة الفطر والقصْر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة"، فلا ريبَ أن الفِطْرَ والقصر يختص بالمسافر، ولا يُفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع؛ فإن السفر في نفسه قطعة من العَذَاب (٦)، وهو في نفسه مشقةٌ وجهد، [ولو كان المسافر من


(١) في (د): "بهما".
(٢) في (د): "وقذفها".
(٣) في (د): "ولا".
(٤) في (د): "يفسخ".
(٥) في (ك) و (ق): "آيات".
(٦) رواه البخاري (١٨٠٤) في (العمرة): باب السفر قطعة من العذاب، و (٣٠٠١) في (الجهاد): باب السرعة في السير، و (٥٤٢٩) في (الأطعمة): باب ذكر الأطعمة، ومسلم (١٩٢٧) في (الإمارة): باب السفر قطعة من العذاب، من حديث أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>