للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العقود أولى من اعتبار الألفاظ؛ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تُرادُ [لأجلها (١)، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد] (٢) لنفسها كان هذا إلغاءً لما يجب اعتباره واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدَّمُ اعتبارُ اللفظِ الذي قد ظهر كُل الظهور أن المراد خلافه؟ بل قد يُقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر بل قد يتيقن أنه المراد، وكيف ينكَرُ على أهل الظاهر من يسلك هذا؟ وهل ذلك إلا من إيراد الظاهرية؟ فإن أهل الظاهر تمسكوا بألفاظ النصوص وأجْرَوْهَا على ظواهرها حيث لا يحصل القَطعُ بأن المراد خلافُها، وأنتم تمسكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع بأن المراد خلافُها فأهل الظاهر أعذرُ منكم بكثير، وكل شبهة تمسكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظاهرية في تمسكهم بظواهر النصوص أقوى وأصح.

[اللَّه يحبُّ الإنصاف]

واللَّه تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضلُ حِلْية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال [اللَّه] (٣) تعالى لرسوله: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: ١٥] فورثةُ الرسولِ (٤) منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدُهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل [يكونُ] (٥) الحقُّ مطلوبه يَسِيرُ بسيرِه وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف ويحكّم الحجة، وما كان عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه فهو العلم الذي قد شَمَّرَ إليه، ومطلبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذهُ فيه لومة لائم، ولا يصده عنه قول قائل.

[إلغاء الشارع الألفاظ التي لم يقصد المتكلمُ معناها]

ومن تدبّر مصادر الشرع وموارده تبيَّن له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، ولم


(١) اعتبار القصد في العقود تكلم عليه ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (١/ ٣٤٠)، وانظر "الموافقات" للشاطبي (٣/ ٢٣)، وتعليقي عليه.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(٣) ما بين المعقوفتين من (د)، و (ط).
(٤) في (ن) و (ق): "فورثة الأنبياء".
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).

<<  <  ج: ص:  >  >>