للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يساوي (١)، وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًا، بخلاف ما لو مُكِّن (٢) من النساء، فإنه حينئذ يبيعه بفَضْل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُرْبي عليه كما أربى هو على غيره، فينشأ من النساء تضرر بكل واحد منهما، والنساء هاهنا في صنفين، وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.

وإذا تأملت ما حرم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين مقصودهما واحد أو متقارب، كالدراهم والدنانير؛ والبر والشعير، والتمر والزبيب، فإذا تباعدت المقاصد لم يحرم النساء كالبر والثياب والحديد والزيت.

يوضح ذلك أنه لو مكن من بيع مُدّ حنطة بمدين كان ذلك تجارة حاضرة، فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته؛ فمنعوا من ذلك حتى منعوا من التفرق قبل القبض إتماما لهذه الحكمة، ورعاية لهذه المصلحة؛ فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصَبْر أحدهما على الآخر، وكما يفعل أرباب الحيل: يُطلقون العقد وقد تواطئوا على أمر آخر، كما يطلقون عقد النكاح وقد اتفقوا على التحليل، ويطلقون بيع السلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن؛ فلو جوز لهم التفرق قبل القبض لأطلقوا البيع حالًا وأخروا الطلب لأجل الربح، فيقعوا في نفس المحذور. وسر المسألة أنهم مُنعوا من التجارة في الأَثْمان بجنسها؛ لأن ذلك يفسد عليهم مقصود الأثمان، ومنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها؛ لأن ذلك يُفسد عليهم مقصود الأقوات، وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين؛ لأن التبر ليس فيه صنعة (٣) يقصد لأجلها؛ فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضل بينها، ولهذا قال: "تِبْرُها وعينُها سواء" (٤) فظهرت حكمةُ تحريم ربا النساء في الجنس


= (٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠/ رقم ٢٢٠١، ٢٢٠٢)، وفي (كتاب الوكالة): باب الوكالة في الصرف والميزان (٤/ ٤٨١/ رقم ٢٣٠٢، ٢٣٠٣)، وفي (كتاب المغازي): باب استعمال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على أهل خيبر (٧/ ٤٢٤٤ - ٤٢٤٧)، وفي (كتاب الاعتصام): باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ (١٣/ ٧٣٥٠، ٧٣٥١)، ومسلم في "صحيحه" (كتاب المساقاة): باب بيع الطعام مثلا بمثل (٣/ ١٢١٥/ رقم ١٥٩٣ بعد ٩٥)، من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
(١) كذا في الأصول ولعل الصواب: "يساويه".
(٢) في (د): "ما إذا مكن"، وفي (ك): "ما لو أمكن".
(٣) في (ق) و (ك): "صيغة".
(٤) رواه أبو داود (٣٣٤٩) في (البيوع): باب في الصرف، والنسائي في (البيوع): باب بيع =

<<  <  ج: ص:  >  >>