للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من ثمن مبيع لم أقبضه، ومما يبين بطلان هذا القول أن إقرار المرء على نفسه شهادة منه على نفسه كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: ١٣٥] ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجلة لم يحكم عليه بها (١) قبل الأجل اتفاقًا، فهكذا إذا أقر بها مؤجلة فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن يقول: لا يلزمني توفية [ما يدعيه عليّ أو أداؤه] (٢) إليك (٣) إلى مدة كذا وكذا، ولا يزيد على هذا، فإن ألح عليه وقال: "لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء؟ " ولا بد من أن يجيب (٤) بأحد الجوابين، فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتها مؤجلة فأنا مقرٌّ بها، وإن ادعيتها حالَّة فأنا منكر.

وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له عليّ وقضيته، فيجعله الحاكم مقرًا بالحق مدعيًا لقضائه، فالحيلة أن يقول: ليس له عليَّ شيء، ولا (٥) يلزمني أداء ما يدعيه، فإن ألح عليه لم يكن له جواب غير هذا، على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرًا بالحق مدعيًا لقضائه، بل منكرًا الآن لثبوته في ذمته فكيف يلزم به؟

فإن قيل: هو أقر بثبوت سابق وادعى قضاءً طارئًا عليه.

قيل: لم يقر بثبوت مطلق، بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي، ولم يقر بأنه ثابت الآن في ذمته، فلا يجوز إلزامه به الآن استنادًا إلى إقراره به في الزمن الماضي؛ لأنه غير منكر ثبوته في الماضي، وإنما هو منكر لثبوته الآن، فكيف يجعل مقرًا بما هو منكر له؟ وقياسهم هذا الإقرار على قوله: "له عليَّ ألف لا يلزمني أو لا يثبت (٦) في ذمتي" قياس باطل، فإنه كلام متناقض لا يعقل، وأما هذا فكلام معقول، وصِدْقه فيه ممكن، ولم يقر بشغل ذمته الآن بالمدَّعَى به، فلا يجوز شَغْل ذمته به بناء على إقراره بشغلها في الماضي، وما نظير هذا إلا قول الزوج: "كنت طلقت امرأتي وراجعتها" فهل يُجعل بهذا الكلام مطلقًا الآن (٧)؟ وقول القائل: كنت فيما مضى كافرًا ثم أسلمت، فهل يجعل بهذا الكلام كافرًا


(١) في (ق) و (ك): "بها عليه".
(٢) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "ما تدعي عليّ أداءه".
(٣) في (ق): "إليه".
(٤) في (ك): "يحنث".
(٥) في (ك) و (ق): "أو لا".
(٦) في (ن) و (ك) و (ق): "لا تلزمني ولا تثبت".
(٧) في (ق): "فهل يجعل هذا مطلقًا الآن".

<<  <  ج: ص:  >  >>