للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رضي اللَّه عنهم، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما أشار على عمر بوقف أرضه (١) لم يقل له: "لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلي نظرها" وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبَرُ بماله، وأقْوَمُ بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعًا، فأي مصلحة في أن يقال له: "لا يصح وقفك حتى تجعله في يد مَنْ لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه"؟

فإن قيل: إخراجه للَّه يقتضي رفع يده عنه بالكلية كالعتق.

قيل: بالعتق خرج العبد [عن] (٢) أن يكون مالًا، وصار محرَّرًا (٣) محضًا، فلا تثبت عليه يد أحد. وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه، وأحق ما يثبت عليه يدُ أشفَقِ الناس عليه وأقومهم بمصالحه، وثبوتُ يدهِ ونظره لا ينافي وقفه للَّه، [فإنه وَقَفه للَّه] (٤) وجعل نظره عليه ويده للَّه فكلاهما قربة وطاعة، فكيف يُحرم ثواب هذه القربة ويقال له: لا [يصح لك] (٥) قربة


= (٦/ ١٦٠) من طريق ابن وهب: أخبرني الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا ما أوصى به عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أن ثمغًا وصِرمة. . . تليه حفصة ثم يليه ذو الرأي من أهلها لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم.
وانظر: "سنن الدارقطني" (٤/ ١٨٩)، وينظر الحديث المرفوع الذي بعده فإنه يدل على ذلك أيضًا، وفي "صحيح البخاري" (٢٧٧٧) في (الوصايا): باب نفقة القيّم للوقف بسنده إلى ابن عمر: أن عمر اشترط في وقفه: "أن يأكل من وَليَه ويُؤكل صديقه، غير متموّل مالًا".
ونحوه في "صحيح مسلم" (رقم ١٦٣٢) (كتاب الوصية): باب الوقف، وانظر -غير مأمور-: "مسند الفاروق" لابن كثير (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦). و"تحرير القواعد" (٢/ ٥٠ - بتحقيقي) لابن رجب، وفي (ك): "وكان".
(١) رواه البخاري (٢٧٣٧) في "الشروط": باب الشروط في الوقف، و (٢٧٧٢) في "الوصايا": باب الوقف كيف يكتب، و (٢٧٧٣) باب الوقف للغني والفقير والضيف، ومسلم (١٦٣٢) في "الوصية": باب الوقف، من حديث ابن عمر.
وانظر: "المجالسة" (رقم ٢٦٢٣ - بتحقيقي).
(٢) سقط من (ق).
(٣) في (ن) و (ك): "محرمًا".
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(٥) بدل ما بين المعقوفتين في (ك): "يصلح لك"، وفي (ق): "يصلح".

<<  <  ج: ص:  >  >>