للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حكم الخروج عن بيعة ولي الأمر والقدح في العلماء]

هناك أمر بدأ ينتشر بين كثير من الشباب ألا وهو يتمثل في أمرين: عدم البيعة لولي الأمر، ثم أيضاً يترتب على هذا أمر ثانٍ ألا وهو القدح في هيئة كبار العلماء، وأن هيئة كبار العلماء تتكلم وفق ظروف خاصة ومعطيات معينة، وأن علماءنا لم يتكلموا إلا وفق مدركات وظروف تحتم عليهم المجاملة وغيرها من الطعن الصريح الذي نسمعه في هيئة كبار العلماء، فما توجيهكم لهؤلاء الشباب؟

توجيهنا لهؤلاء الشباب أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وفي إخوانهم من شباب الصحوة، وأن يعلموا أنه (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية) وأن يعلموا أن شق عصا المسلمين من أعظم المنكرات، ويترتب عليه أعظم المفاسد، ثم إذا كانوا هنا في المملكة العربية السعودية فليشكروا الله على هذه النعمة؛ البلاد آمنة والحمد لله مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فإذا حصلت الفوضى لا قدر الله زال هذا الأمن، وزال هذا العيش الرغيد، وأتت فتن وشرور متلاحقة متلاحمة لا يعلم مداها إلا الله، وليسأل هؤلاء الصغار كبارهم: ماذا كانت عليه البلاد قبل توحيدها وقبل اطمئنان أهلها؟ الجواب: لا يستطيع الإنسان أن يخرج من قريةٍ إلى قرية إلا بسلاح ومع ذلك هو خائف حتى في فراشه إذا نام.

فأنصح هؤلاء الشباب بألا يزيلوا هذه النعمة بما يحدث من تصرفاتهم الهوجاء.

أما طعنهم في هيئة كبار العلماء فهو طعنٌ مبنيٌ على عاصفة ولا أقول على عاطفة، وإن شئت قلت: على عاطفة لكنها عاصفة بواقع، نشأت من كلمات يسمعونها من بعض الناس تثيرهم وتهيجهم، وكذلك يسمعونها من بعضهم البعض فيثور بعضهم بسببها؛ هيئة كبار العلماء والحمد لله نقموا منها أنها أذنت للدولة بالاستعانة بالكفار في أزمة الخليج، وتكلم بعض الناس وقال: إن هذه الأزمة مفتعلة، وأن المقصود بها احتلال البلاد من الكفار وما أشبه ذلك، ورسموا خرائط ورسومات ووزعوها في أيدي الشباب وتبين خطأ هذا الشيء تماماً، وتبين والحمد لله ما حصل من درء الفتنة التي أرادها من أرادها من حكام العراق، وتبين أيضاً ما عند العراق من الأسلحة العظيمة التي يتعجب الإنسان كيف اقتنى هذه الأسلحة، وتبين أن هناك إرادة سيئة والله أعلم بها، فصار والحمد لله الخير فيما وقع.

نقموا من هيئة كبار العلماء البيان الأخير الذي صدر منهم بسبب تكوين لجنة لحقوق الإنسان أو للحقوق الشرعية أو لدفع الظلم أو ما أشبه ذلك، والواقع أن هيئة كبار العلماء لا تنكر أبداً إعانة المظلوم بل تؤيد إعانة المظلوم، وترى أن إعانة المظلوم فرض كفاية يجب على المسلمين أن يعينوه، وإذا لم يقم به من يكفي وجب على من قدر، وهذا أمرٌ مسلمٌ به ولا إشكال فيه، لكن الهيئة تنكر كونه على هذه الصفة، أي: تكوين لجنة للدفاع عن الحقوق الشرعية تحت ظل حكومةٍ شرعية، ومن المعلوم أن تكوين اللجان على هذا الوجه لا يكون تحت حكومة شرعية إلا بإذن هذه الحكومة، أرأيت لو أن رجلاً وجد قريةً ليس فيها قاض، فقال: أنا أريد أن أكون قاضياً في هذا البلد؛ لأن البلد ليس فيها قاضٍ والناس محتاجون للحكم بينهم فسأكون قاضياً، هل يملك هذا؟ الجواب: لا.

لا يملك أن ينصب نفسه قاضياً في هذا البلد تحت ظل حكومةٍ شرعية إلا بإذن هذه الحكومة الشرعية باتفاق العلماء واتفاق المسلمين.

ثانياً: لو أنه أتى إلى قرية ليس فيها هيئة قائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: هيا نكوِّن هيئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر تحت ظل حكومةٍ قائمة شرعية هل يمكن هذا؟ لا يمكن تكوين طائفة لحفظ الحقوق الشرعية أو الدفاع عن المظلوم على هذا الوجه بدون إذن الدولة، لا شك أنه غير شرعي وأنه افتيات على ولي الأمر، وأنه يؤدي إلى الفوضى، فإنه إذا كونت هذه اللجنة نفسها قام أناس من أهل البدع وقالوا: نريد أن تكون لنا لجنة، وقام أناس من الصحفيين ومن العلمانيين ومن غيرهم وقالوا: نريد أن نُكوِّن لجنة.

ثم نقول: ما هو الضابط للظلم؟ كل خصمين عند قاضي لا بد أن يكون أحدهما يدعي أنه مظلوم، معنى هذا أن كل مسألة أو قضية يحكم فيها القاضي بشيء ويقول المحكوم عليه: أنا مظلوم، يلجأ إلى هذه اللجنة، وتحصل فوضى وبلبلة بين الحكام القضاة وبين الناس، ثم إننا لا نأمن أن يقوم غداً النصارى وهم أقلية في بلادنا -والحمد لله- فيقولون: نحن لنا حق؛ لأن الحق الشرعي في نظر العالم غير الحق الشرعي في نظر هؤلاء الإخوة الذين كونوا لجنة؛ لأن هذه اللجنة ترى أن الحق الشرعي ما قام على الشرع؛ على الوحي الذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام، لكن العالم لا يفهم هذا؛ ويرى أن الحق الشرعي ما حكم به نظاماً أو شرعاً إلهياً، حتى الأنظمة والقوانين عندهم شرعية، فيأتي مثل هذا النصراني ويقول: إن لي الحق في أن أقيم كنيسة، فيرفع الأمر إلى هذه اللجنة، وهذه اللجنة الآن لا ترى هذا الحق وترى أنه لا يمكن إقامة الكنائس في بلاد المسلمين، لكن يأتي خلفها لجنة مبنية على هذه اللجنة ولو على المدى الذي يكون بعيد المنظار فتوافق وتقول: نعم هذا حق شرعي، ويأتي أهل البدع ويقولون: لنا حق أن نعلن بدعنا، كما أن أهل السنة لهم حق أن يعلنوا سنتهم؛ نحن مسلمون وهم مسلمون، أيُّ فرق بين أن نعلن بدعتنا وأن يعلنوا هؤلاء سنتهم؟ ثم إنهم -أعني الإخوة الذين نصبوا أنفسهم هذا المنصب- كتب بعضهم عنوان هاتفه، فمن يأمن أن يأتي أناس مغرضون يريدون القدح في هذه الأمة السعودية وكل ساعة يتصلون عليه أنا مظلوم بكذا وكذا في قضية مفتعلة من أجل أن تكثر الطلبات عند هذه اللجنة في نصر المظلوم، فيتكون عندهم آلاف المسائل المفترضة المفتعلة وليس هناك شيء، لكن من أجل التشويه الإعلامي العالمي أو الداخلي.

ثم إننا نقول: ما الموجب لتكوين هذه اللجنة وفي البلد مكاتب للمحاماة مفتوحة بإذن الدولة ألا يُكتفى بهذا؟ إنك إذا سمعت تكوين هذه اللجنة ستقول: ربع المملكة مظلوم على الأقل، مع أن المملكة تقدر بإثني عشر مليوناً وأنا أقول: اجعلوها ثمانية ملايين، أي: نزل الثلث، ثمانية ملايين نسمة، لو أنك تريد أن تثبت ألف قضية فيها ظلم محقق أصر على بقائه ولم يحاول إزالة هذا الظلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وألف قضية من ثمانية ملايين ليست بشيء، لكن لسنا نقول: هذه المملكة ربعها مظلوم ظلماً يحتاج إلى تكوين لجان للدفاع عنهم.

لذلك أقول: إن هيئة كبار العلماء لا يقولون: إن نصر المظلوم غير شرعي، ولا أن الدفاع عن الحقوق الشرعية غير شرعي، بل يرون هذا من الشرع وأنه فرض كفاية، لكن تكوين لجنة تحت ظل حكومةٍ شرعية بدون مراجعة في هذه الحكومة هو الخطأ، وهو الذي سيفتح باب شرٍ كبير، ولهذا رجع الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عن هذه اللجنة وتبرأ من الانضمام إليها؛ لأنه عرف ما ينتج عنها من المسائل أو من الأضرار التي تكون قريبةً أو بعيدة، فنصيحتي لهؤلاء القوم الذين أشرت إليهم أن يتقوا الله عز وجل وألا يموتوا ميتةً جاهلية فيلقون الله عز وجل وهم على جاهليتهم، بل يجب عليهم الرجوع إلى الحق واعتقاد أن لولي أمر المسلمين في هذه البلاد بيعةً صحيحةً شرعيةً بايعه عليها أهل الحل والعقد، ومن المعلوم أن البيعة لا يشترط فيها أن يبايع كل إنسان حتى الطفل والعجوز في مخدعها، أبداً.

إذا بايعها أهل الحل والعقد ثبتت البيعة، فـ أبو بكر هل بايعه الناس كلهم في مكة والمدينة والطائف.

وغيرها من البلاد؟ لا.

لم يبايعوه إلا أهل الحل والعقد، وكذلك عثمان.

كانت البيعة في أصحاب الشورى الستة، وكذلك علي بن أبي طالب.

، فلا يشترط في البيعة أن يبايع كل إنسان، ولم يقل بهذا أحد من الناس، وأهل الحل والعقد في هذه البلاد بايعوا لولي الأمر هنا في البلاد، فثبتت بيعته شرعاً، ومن مات على غير بيعته فإن ميتته ميتة جاهلية، وإذا كان عند هؤلاء الإخوة شكٌ في الأمر فنحن مستعدون لأن يحضروا إلينا ونناقشهم في هذا الأمر رأفةً بهم وإحساناً إليهم؛ لئلا يموتوا ميتةً جاهلية، ولئلا يحدثوا في هذه البلاد فتناً لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.

أما هيئة كبار العلماء فقد علمت الآن وجه ما نشروه من البيان، وإن كان البيان -في الواقع- مقتضباً؛ لأنهم لم يحبوا أن يطيلوا في الكلام وأخذوا بالزبدة فقط، ولكن وجه المنع ليس من أجل أن العلماء يعارضون نصر المظلوم أو يعارضون الدفاع عن الحقوق الشرعية، لكن يعارضون الكيفية التي صار بها هذا الشيء.