للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تفسير قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم)

ثم قال الله عز وجل: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة:٢] بين الله عز وجل كذب هؤلاء فقال: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} الخبر: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ} أي: لسن أمهاتهم، من الأم؟ التي ولدتك {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} فكيف يجعل هذه المرأة المحللة له، التي يجوز أن يجامعها أمه التي لا يمكن أن تحل له بأي حال من الأحوال، هل هذا حق وصدق أم لا؟ الجواب؟ لا، ولهذا قال: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً} (منكراً من القول) لأنه حرام، (وزوراً) لأنه كذب، فليست أمه، وفي هذا دليل واضح على تحريم الظهار، وأنه من المنكرات ومن الزور، ولا يحل لإنسان أن يظاهر من امرأته، فإن حرَّم امرأته بلا ظهار بأن قال لها: أنت عليَّ حرام، فهل هو ظهار، أو طلاق، أو يمين؟ في هذا خلاف بين العلماء رحمهم الله، والصحيح أنه يمين، فإذا قال الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرام فهو يمين لدخولها في عموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم:١-٢] وبين الله عز وجل أن تحريم الحلال يمين {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} فتحريم الحلال يمين لا فرق فيه بين الزوجة وغيره، قد يقول قائل: إن التحريم إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام مثل أنت علي كظهر أمي؟

و

أن هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي فقد شبه أحلَّ شيء له في الاستمتاع بأحرم شيء عليه، ثم إن فيه استخفافاً بالشريعة أن يشبه هذا بهذا، ثم إنه قد يكون فيه أيضاً استهانة بالأم أن يجعل الزوجة مثلها، فعلى كل حال الفرق بين العبارتين واضح، والحكم الشرعي بينهما في الفرق بينهما واضح، فقد جعل الظهار له حكم، وجعل الله التحريم له حكم آخر، فهذا القول هو الراجح: أن تحريم الزوجة كتحريم غيرها يمين، فهو كما لو قال: حرام عليَّ أن ألبس هذا الثوب.

ثم لبسه نقول: عليك كفارة يمين.

فإن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام.

ثم جامعها نقول: عليه كفارة يمين ولا فرق.

ثم قال عز وجل: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة:٢] (عفو) عن التقصير في الواجبات (غفور) عن فعل المحرمات، وما أوسع عفو الله عز وجل، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:٤٥] .