للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضَررٌ أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يُزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدةُ الشريعة ضد ذلك، وهو دفعُ أعلى الضَّررين باحتمال أدناهما (١)، ولهذا لما نهاهم عن المُزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحَها لهم في العَرايا للحاجة (٢)؛ لأن ضررَ المنعِ من ذلك أشدُّ من ضرر المُزابنة، ولما حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خَبْث التغذية أباحها لهم عند الضرورة (٣)، ولما حرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية (٤) أباح منه ما تدعو إليه الحاجة


= (٤/ ١١٥٣/ رقم ١٥١٣) عن أبي هريرة قال: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة.
والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي الحصاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعًا، فبقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا.
وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة؛ كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن. . . ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل لأنه كرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهى عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة.
(١) انظر كلام ابن القيم حول هذه القاعدة في "مفتاح دار السعادة" (ص ٣٤١)، فإنه مهم، و (ص: ٣٤٨)، و"الداء والدواء" (ص ٢٢٥ - ٢٢٦، ٣٠٩ - ٣١٠)، و"روضة المحبين" (ص ١٣٢).
(٢) انظر حول بيع العرايا وجوازه للحاجة: "زاد المعاد" (٢/ ١٩٤)، (٣/ ٨٨).
والحديث رواه البخاري (٢١٧٣) في (البيوع): باب بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام، و (٢١٨٤ و ٢١٨٨) باب بيع المزابنة، و (٢١٩٢) في باب تفسير العرايا، و (٢٣٨٠) في (المساقاة): باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم (١٥٣٩)، من حديث زيد بن ثابت.
(٣) في المطبوع و (ق) و (ك): "لهم للضرورة".
(٤) ورد ذلك في أحاديث كثيرة، خرجناها في رسالة أبي بكر بن حبيب العامري (ت ٥٣٠ هـ): "أحكام النظر إلى المحرمات"، منها ما أخرجه مسلم في "الصحيح" (كتاب الأدب): باب نظر الفجأة (رقم ٢١٥٩) عن جرير بن عبد اللَّه البجلي، قال: سألت رسول اللَّه عن نظر الفجأة، فقال لي: "اصرف بصرك". =

<<  <  ج: ص:  >  >>