للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وكان رحمه الله فاضلًا بارعًا، ذكيًا وجيهاً، حسنَ المحاضرةِ والمفاكهة والمعاملة، شديدَ التَّخيُّل، كثيرَ التَّحرِّي في الطَّهارة، مُديمًا للضُّحى، والإكثارِ من الصِّيامِ والقيامِ والتلاوة، مع خضوعٍ وخشوعٍ، متحرِّزًا في ألفاظِه، وتحسينِ عبارته، متأنِّقًا في ملبسِه ومِشيته، ومسكنِه وخدَمِه وهيبته، عطِرَ الرَّائحة، حسنَ العِمَّة، بَهِجًا في أمورِه كلِّها، بارًا بكثيرٍ من الفقهاء والفقراء، ساعيًا في إيصالِ البِرِّ إليهم، حسنَ السِّفارةِ لهم ولغيرِهم ممَّن يقصدُه من جيرانِه فمَن دونهم، مقبولَ الكلمةِ خصوصًا عند الزَّينيِّ ابنِ مُزْهر صاحبه، وقد جَرَّ إليه خيرًا كثيرًا، وحصلَ لفقراءِ الحرمين بواسطتِه بِرٌّ وفضلٌ، وبالجملة فكان في أواخرِ عمرِه حسنةً من حسناتِ دهرِه. وممَّن بالغَ في أذيِّته، وتقبيحِ سيرته وطويته، ورميِه الدَّائم بالعظائمِ البِقَاعي، بحيث قال لي الشِّهابُ: قد عجزتُ عن استرضائه ليكفَّ، كلُّ ذلك لكونِه لمَّا بلغَه قولَه في قصيدةٍ:

وما أنيسيَ إلا السّيفُ في عُنقي

قال: يستحقُّ، معِ ملاحظةِ كونِ النَّاسِ استحسنوا قصيدةَ الشِّهابِ (١)، في ختم "فتح الباري" على قصيدةِ ذاك، وكونِه عملَ مرثيةً لشيخِنا على روي قصيدتِه الثَّقيلة ووزنِها، فكانت بديعةَ الانسجامِ والرِّقَّة، مع أنَّه لم يُبرزها تحاميًا عن الشَّرِّ إلى ذلك، بل كادَ مرَّة أن يقتلَه، فإنَّه بركَ عليه في مجلسِ الإملاءِ والخِنجرُ بيده، هذا مع مطارحةٍ بينهما، فكان جواب البُقَاعي:

أيا مَنْ سَما حِذْقًا وحِفْظًا ومِقْوَلا … وكانَ إياسً أحمدًا وكذا قُسَّا

معاذَ إلهي أنْ أُفرِّطَ في الذي … جعلتَ لنا بَسطًا بنظمِكَ أو أنسى


(١) ذُكرت القصيدتان في آخر "فتح الباري" ١٣/ ٥٤٩، ٥٥٢.