للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القاهر الطّوسيّ يحلف باللَّه أنّه أبصر في نومه كأنّه ينظر في كُتُب الغزّاليّ، فإذا هِيَ كلّها تصاوير.

قلت: للغزّاليّ غَلَط كثير، وتناقض في تواليفه، ودخولٌ في الفلسفة، وشُكوك. ومن تأمَّل كُتُبُه العقْليّة رَأَى العجائب. وكان مزجيّ البِضاعة مِن الآثار، عَلَى سعة علومه، وجلالة قدره، وعظمته.

وقد روى عَنْهُ أبو بَكْر بْن العربيّ الإمام «صحيح الْبُخَارِيّ» ، بروايته عَنِ الحفصيّ، فيما حكى ابن الحدّاد الفاسي، ولم يكن هذا بثقة، فاللَّه أعلم [١] .


[١] وقال ابن الجوزي: إن الغزالي أقام ببيت المقدس ودمشق مدّة يطوف المشاهد، وأخذ في تصنيف كتاب «الإحياء» في القدس، ثم أتمّه بدمشق إلّا أنه وضعه على مذهب الصوفية، وترك فيه قانون الفقه، مثل أنه ذكر في محو الجاه ومجاهدة النفس أن رجلا أراد محو جاهه فدخل الحمّام، فليس ثياب غيره، ثم لبس ثيابه فوقها، ثم خرج يمشي على مهل حتى لحقوه فأخذوها منه، وسمّي سارق الحمّام، وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح، لأن الفقه يحكم بقبح هذا، فإنه متى كان للحمّام حافظ وسرق سارق قطع، ثم لا يحلّ لمسلم أن يتعرّض بأمر يأثم الناس به في حقّه، وذكر أن رجلا اشترى لحما فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته، فعلّقه في عنقه ومشى، وهذا في غاية القبح، ومثله كثير ليس هذا موضعه. وقد جمعت أغلاط الكتاب وسمّيته «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء» ، وأشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمّى «تلبيس إبليس» مثل ما ذكر في كتاب النكاح أن عائشة قالت للنّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنت الّذي تزعم أنك رسول الله! وهذا محال، وإنما كان سبب إعراضه فيما وضعه عن مقتضى الفقه أنه صحب الصوفية، فرأى حالتهم الغاية وقال: إني أخذت الطريقة من أبي علي الفارمذي وامتثلت ما كان يشير به من وظائف العبادات واستدامة الذكر إلى أن جرت تلك العقبات وتكلّفت تلك المشاق، وما حصّلت ما كنت أطلبه.
ثم إنه نظر في كتاب أبي طالب المكيّ وكلام المتصوّفة القدماء فاجتذبه ذلك بمرّة عمّا يوجبه الفقه. وذكر في كتاب «الإحياء» من الأحاديث الموضوعة وما لا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلّة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الأحاديث على من يعرف، وإنما نقل نقل حاطب ليل.
وكان قد صنّف للمستظهر كتابا في الردّ على الباطنية، وذكر في آخر مواعظ الخلفاء فقال:
روي أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم: ابعث إليّ من إفطارك، فبعث إليه نخالة مقلوّة، فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر عليها، وجامع زوجته، فجاءت بعبد العزيز، فلما بلغ ولد له عمر بن عبد العزيز. وهذا من أقبح الأشياء، لأن عمر ابن عمّ سليمان، وهو الّذي ولّاه، فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا.
وكان بعض الناس شغف بكتاب «الإحياء» فأعلمته بعيوبه، ثم كتبته له، فأسقطت ما يصلح إسقاطه، وزدت ما يصلح أن يزاد.
سمعت إسماعيل بن علي الموصلي الواعظ يحكي عن أبي منصور الرزّاز الفقيه قال: دخل أبو