للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

ونزيد هذه الأخيرة إيضاحًا -لكونها متعلقة بموضوعنا- من تطبيقات الخطابي -رحمه الله- لقاعدته السابقة، فيما قرره في صفة "الساق"، فقال بعد حديث أبي سعيد: "يكشف ربنا عن ساقه" (١): (قلت: وهذا الحديث مما قد تهيب القول فيه شيوخنا، فأجروه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب) (٢).

والخطابي -رحمه الله- جرى على مذهب أهل التأويل وارتضاه لنفسه، من حديث الجملة، لكن ما هو الإثبات الذي سلم به في الصفات القرآنية، وكيف فهم إثبات السلف للصفات؟ نلتمس الإجابة في النص التالي، بعد ذكره حديث القدم: (وكان أبو عبيد -وهو أحد أئمة أهل العلم- يقول: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ (٣) لها المعاني. ونحن أحرياء بأن لا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علمًا وأقدم زمنًا وسنًا. ولكن الزمان الذي نحن فيه قد جعل أهله حزبين:

* منكر لما يُروى من نوع هذه الأحاديث رأسًا، ومكذب به أصلًا، وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين، ونقله السنن، والوسائط بيننا وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

* والطائفة الأخرى مسالمة للرواية فيها، ذاهبة في تحقيق الظاهر منها، مذهبًا يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه.

ونحن نرغب عن الأمرين، ولا نرضى بواحدٍ منهما مذهبًا، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلًا يخرج على معاني أصول الدين، ومذاهب العلماء، ولا تُبطِل الرواية فيها أصلًا، إذ كانت طُرقُها مرضية، ونقلتُها عدولًا) (٤)، ثم شرع في تأويل صفة القدم.

ومن هذا العرض يمكن أن نميز أربعة اتجاهات حيال نصوص الصفات الخبرية:

الأول: رواية الأحاديث دون طلب المعاني لها. وهي طريقة المتقدمين زمانًا وعلمًا وسنًّا، كأبي عبيد القاسم بن سلام، وهم السلف (٥).

الثاني: إنكار هذه الأحاديث وتكذيبها.

الثالث: رواية هذه الأحاديث، وتحقيق ظواهرها تحقيقًا يكاد يفضي إلى التشبيه.

الرابع: تأويل هذه الأحاديث تأويلًا يخرج على معاني أصول الدين.

وقد صرح برغبته عن الإتجاهين الثاني والثالث، واختار الرابع. أما الاتجاه الأول، فقد شعر بأنه أحرى بالإتباع، لكنه استدرك باختلاف أهل زمانه. ولو كان -رحمه الله وعفا عنه- يرى في الإتجاه الأول غنية وكفاية لما التفت إلى ما سواه، وإنما رغب في التأويل لما يتضمنه من إثبات معانٍ


(١) رواه البخاري، كتاب التفسير (٦/ ٧٢)، كتاب التوحيد (٨/ ١٨٧٢).
(٢) أعلام الحديث: (٣/ ١٩٣٠).
(٣) نريغ: من أرغت الصيد إراغة، إذا طلبت وأردته. أ. هـ.
كتاب التفويض.
(٤) أعلام الحديث: (٣/ ١٩٠٧ - ١٩٠٨).
(٥) مراد أبي عبيد -رحمه الله- اجتناب المعاني الباطلة التي يطلبها أهل التحريف، ويبتكرونها لصرف الكلام عن معناه الأصلي أ. هـ. من كتاب التفويض.