للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[كراهة النوم قبل العشاء]

• أخرج البخاري في «صحيحه» رقم (٥٤٧): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟

فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ (١)، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ - وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا (٢) وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا (٣)

وَكَانَ


(١) في «فتح الباري» (٢/ ٢٧) لابن حجر: قوله: (حين تَدْحَض الشمس) أي: تزول عن وسط السماء، مأخوذ من الدَّحْض، وهو الزَّلَق. وفي رواية لمسلم: (حين تزول الشمس). ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها، ولا يُخالِف ذلك الأمرَ بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه يختص بشدة الحر، أو لبيان الجواز.
(٢) وفي مسلم (٦٤٧) بلفظ: «وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا».
(٣) قال النووي في «شرحه على مسلم» (٥/ ١٤٦):
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَسَبَبُ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا: أَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِفَوَاتِ وَقْتِهَا بِاسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ، أَوْ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَالْأَفْضَلِ، وَلِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَنَامُوا عَنْ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً.
وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا: أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى السَّهَرِ، وَيُخَافُ مِنْهُ غَلَبَةُ النَّوْمِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ أَوِ الذِّكْرِ فِيهِ، أَوْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهَا الْجَائِزِ أَوْ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَوِ الْأَفْضَلِ، وَلِأَنَّ السَّهَرَ فِي اللَّيْلِ سَبَبٌ لِلْكَسَلِ فِي النَّهَارِ عَمَّا يَتَوَجَّهُ مِنْ حُقُوقِ الدِّينِ وَالطَّاعَاتِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمَكْرُوهُ مِنَ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْعِشَاءِ هُوَ مَا كَانَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا، أَمَّا مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَخَيْرٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَذَلِكَ كَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَمُحَادَثَةِ الضَّيْفِ وَالْعَرُوسِ لِلتَّأْنِيسِ، وَمُحَادَثَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ لِلْمُلَاطَفَةِ وَالْحَاجَةِ، وَمُحَادَثَةِ الْمُسَافِرِينَ بِحِفْظِ مَتَاعِهِمْ أَوْ أَنْفُسِهِمْ، وَالْحَدِيثِ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالشَّفَاعَةِ إِلَيْهِمْ فِي خَيْرٍ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَصْلَحَةٍ … وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَكُلُّ هَذَا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَتْ أحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِبَعْضِهِ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي خَيْرٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا النَّوْمُ قَبْلَهَا، فَكَرِهَهُ عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُنَا، ي أَجْمَعِينَ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْكُوفِيُّونَ، ي أَجْمَعِينَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُرَخَّصُ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ. وَرَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

<<  <  ج: ص:  >  >>