للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومَن قال: «إن القلم خُلِق أولًا» احتَج بحديث عُبَادة بن الصامت، وقد رُوِيَ عن ابن عباس من عدة أوجه: «أول ما خَلَق الله القلم» (١) فهذه الأحاديث هي المعروفة عند أهل العلم بالحديث.

وإنما قولنا: (الصحيح أن العرش خُلِق أولًا) لأن ذلك ثَبَت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» أنه قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يَخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.

فهذا يدل على أنه قَدَّر إذ كان عرشه على الماء، فكان العرش موجودًا مخلوقًا عند التقدير، لم يوجد بعده.


(١) قال الطِّيبي في «الكاشف عن حقائق السُّنن» (٢/ ٥٥٤):
قوله: «إن أول ما خَلَق الله القلم».
قال بعض المغاربة: وهو برفع القلم - وإن صحت الرواية بنصبه - فيكون منصوبًا على لغة مَنْ يَنصب خبر «إِنَّ». (وانظر هامش «الرسالة» للشافعي في توجيه نصب معمولَي إِنَّ) (ص ٤٥٣).
قال المالكي: يجوز على مذهب الكِسَائي أن يكون منصوبًا بـ (كان) المُقدَّرة، أي أن أول ما خَلَق الله كان القلم. وأنشد: (يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رَوَاجِعَا)! أي: كانت رواجعا.
وقال المغربي: لا يجوز أن يكون «القلم» مفعول «خَلَق» لأن المراد أن القلم أول مخلوق خلقه الله تعالى، ولو جُعِل مفعولًا لوَجَب أن يقال: إن اسم «إِنَّ» ضمير الشأن، و «أول» ظرف منصوب بـ «إِنَّ» فينبغي سقوط الفاء من قوله: «فقال» فرجع المعنى إلى قوله: «فقال له: اكتب» حين خلقه، فلا يكون في الحديث إخبار بأن القلم أول مخلوق، كما يقتضيه معنى الرواية الصحيحة، ورفع القلم.
ولو صحت الرواية بالنصب لم تَمنع الفاء من تنزيل الحديث على ذلك المعنى، وذلك أن يُقَدَّر قبل «فقال»: أمره بالكتابة «فقال: اكتب» فيكون هو العامل في الظرف، والجملة مُفسِّرة للضمير.

<<  <  ج: ص:  >  >>