للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَتَنَزَّهَ عَنْهَ قَوْمٌ فَبَلَغَ النَّبِيِّ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا باَلُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (١).

وَعَنْهاَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ «مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ كذَا» وَلكِنْ يَقُولُ: «مَا باَلُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا (٢)»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْحِلْمِ وَمَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ آمِين.

ومنها الصبر والعفو وتحمل الأذى (٣)

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (٤)﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا


(١) ولكن مسلم في الفضائل ولفظه: صنع رسول الله أمرا فترخص فيه (أي فعل الأيسر) فبلغ ذلك ناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه فبلغه ذلك فغضب حتى بان الغضب في وجهه فقام خطيبا فقال ما بال رجال إلى آخر الحديث. ففيه أنه كان إذا غضب من شيء لا ينكر ولا يعاتب واحدا بعينه بل بعنوان الجمع رحمة بهم فلا يقابل أحدا بمكروه، قال الحافظ: الشيء والقوم في الحديث غير معلومين، وفيه الحث على الاقتداء به وعدم التعمق في العبادة وذم التنزه عن المباح، وسبق هذا الحديث في أخلاقه في النبوة.
(٢) ففيه وما قبله أن النبي كان يغضب ولكن الله تعالى كما سبق في اللباس لما دخل على عائشة فوجد في البيت ستارة عليها صور فغضب ومزقها، وكما سبق في النبوة: وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ﷿، وهذا هو الغضب المحمود الدال على كمال الإيمان كما سبق في الإيمان: من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، أسأل الله أن يمنحنا كمال الإيمان واليقين آمين.

ومنها الصبر والعفو وتحمل الأذى
(٣) أي من مكارم الأخلاق الصبر والعفو وتحمل الأذى، والصبر: إمساك النفس عند المكروه خوفا من الله وأملا في رضاه، والعفو: هو الصفح والتجاوز، قال تعالى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قيل في معناها: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.
(٤) ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أمسك نفسه فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ عفا وصفح فلم يبق في قلبه شيء ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزوماتها أي المطلوبات الشرعية، فالصبر والصفح من عظيم الأمور ولا يطيقهما إلا أعاظم الناس.

<<  <  ج: ص:  >  >>