للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أقسام أفعال العباد]

وهنا مسألة يتكرر ذكرها وإيرادها، وهي: هل الإنسان مخيّر أو مسير؟

و

الجواب

أنه مُخيّر ومُسيّر، فلا يقال: ‘نه مخير فقط، ولا مسير فقط؛ لأن القول بأنه مسير فقط هو قول: الجبرية الذين يزعمون أن الإنسان ليس عنده مشيئة ولا إرادة، وأنه مجبور على ما يحصل منه، وأن حركاته كحركات الريشة المعلقة في الهواء.

والمعتزلة يقولون: إنه مخير، وإنه يخلق فعله ويوجده.

وأهل السنة والجماعة يقولون: هو مسير باعتبار، ومخير باعتبار، أي: مخير باعتبار أن الله عز وجل جعل له عقلاً وجعل له قُدرة، وقد أُمر ونُهي، وعَرَف الخير والشر، وقيل له: إن فعلت كذا فلك كذا، وإن فعلت كذا فعليك كذا، فقد بين الله له الخير والشر، فهو يُقدم على الشيء بمشيئته وإرادته، لكن العمل الذي يعمله بمشيئته وإرادته لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، بل هو تابع لمشيئة الله وإرادته، فهو مخير باعتبار أنه مكلف وأنه مأمور ومنهي، وأنه قد بين الله له طريق الخير وطريق الشر، وقيل له: هذا الطريق يوصلك إلى الجنة، وهذا الطريق يوصلك إلى النار.

فهو مخير بأن يسلك أحد الطريقين.

وهو مسير باعتبار أنه لا يحصل منه إلا ما قدره الله وقضاه، فقضاء الله وقدره لا بد أن يكون، ولكن لا يقال: إن الإنسان مجبور! بل يجب التفريق بين الفعل الذي يكون باختيار الإنسان، والفعل الذي يكون بغير اختياره، فالأكل والشرب والذهاب والإياب والسفر والبيع والشراء، كل هذه أفعال اختيارية، تُفعل بمشيئة الإنسان وإرادته، فيثاب على ما كان منها حسناً، ويعاقب على ما كان سيئاً.

وهناك حركات اضطرارية، مثل حركة المرتعش الذي ترتعش يده، فليست هذه الحركة اختيارية بمشيئته وإرادته، بل هي خارجة عن مشيئته وإرادته، فهذا هو الذي يقال: إنه مجبور عليه، وإنه لا يدخل في مشيئته وإرادته، وأما كون الإنسان يبين له طريق الخير وطريق الشر، وأن هذا يوصل إلى الجنة وهذا يوصل إلى النار، ثم بعد ذلك يُقدم على هذا أو هذا، فإقدامه هذا بمشيئته وإرادته، ولكن مشيئة الإنسان وإرادته هي تحت مشيئة الله وإرادته وتابعة لها، كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:٢٨ - ٢٩].

فلا يقال: إنه مخير، بمعنى: أنه لم يُقدّر عليه شيء.

ولا يقال: إنه مسير، بمعنى: أنه مجبور، وأنه ليس له مشيئة ولا إرادة، بل له مشيئة وإرادة، ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته.

فهو باعتبار أنه يفعل ما يشاء بإرادته ومشيئته، فهو مخير، وباعتبار أنه لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته فهو مسير.

فإذا سئل الإنسان: هل أنت مخير أو مسير؟ فلا يكون الجواب بواحدة من الاثنتين، ولا يقول: ميسر.

أو يقول: مخير، بل يكون الجواب بالجمع بينهما، أي: مسير ومخير، ويكون التفصيل كما سبق.

وهذا يشبه المسألة المعروفة التي يقال: إذا أقيم الحد على إنسان، هل يكون هذا الحد زاجراً أو جابراً؟

و

الجواب

أنه زاجر وجابر في نفس الوقت، إذ يكون جابراً للنقص الذي حصل؛ لأنه قد وقعت عقوبته في الدنيا بإقامة الحد عليه، وفي نفس الوقت هو زاجر عن أن يعود إلى ذلك الفعل، وزاجر لغيره أيضاً أن يقع فيما وقع فيه هذا الذي أقيم عليه الحد، فيتعرض لتلك العقوبة التي عوقب بها هذا الجاني، فهذا مما يكون الجواب فيه بالجمع بين الاثنين، وليس باختيار واحد منهما.

وكذلك يعرف النحويون الفاعل بتعريف يشمل الاثنين، فيقولون: الفاعل: اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به الحدث.

فإذا أكل زيد أو شرب، نقول: حصل منه الحدث، لكن إذا قيل: مات زيد مرض زيد ارتعشت يده، فلا يقال: إنه حصل منه الحدث، وإنما هذا وصف حصل له، فارتعاش يده ليس من فعله، وإنما هو وصف قام به، وكذلك: مات زيد، فالموت حلّ به وقام به، وكذلك المرض حصل له وهو ليس من فعله، وإنما الذي من فعله هو الذي يدخل تحت مشيئته وإرادته، مثل: أكل، وشرب، ودخل، وخرج وما إلى ذلك، فيقولون في تعريف الفاعل: اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث وهو الأفعال الاختيارية- أو قام به الحدث -وهي الأمور الااضطرارية التي لا تدخل تحت مشيئته وإرادته.

<<  <  ج:
ص:  >  >>