للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[شرح حديث: (الثلث والثلث كثير)]

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله.

حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (مرض مرضاً -قال ابن أبي خلف: بمكة.

ثم اتفقا- أشفى فيه، فعاده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا، قال: فبالشطر؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أُجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، قلت: يا رسول الله! أتخلف عن هجرتي؟ قال: إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن مات بمكة)].

أورد أبو داود: [باب فيما لا يجوز للموصي في ماله].

أي: ما لا يجوز للموصى أن يوصي به في ماله، والمراد بيان الشيء الذي لا يجوز أن يفعله من يريد أن يوصي بشيء من ماله أو بماله، وذلك أنه لا يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن الوصية بأكثر من الثلث ليست جائزة، وكذلك لا يوصي للوارث لا من الثلث ولا من غير الثلث، فالمقصود من ذلك: بيان الشيء الذي لا يجوز للإنسان أن يوصي به في ماله.

أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان مرض بمكة مرضاًً شديداً أشفى فيه وأشرف على الموت، واشتد مرضه، وقوله: [أشفى فيه] كناية عن شدة مرضه، وأنه خشي أن يموت به، ولهذا قال: [إن لي مالاً كثيراً ولا يرثني إلا ابنتي] يعني: لا يرثه بالفرض، وليس معنى ذلك أنه ليس له عصبة فإنه من بني زهرة من قريش، وله أقارب وله عصبة، ولكن في ذلك الوقت ليس له إلا ابنتين، ومعلوم أنه رضي الله عنه عاش ومكث مدة طويلة، وحصل على يديه خير كثير، وفتحت فتوحات على يديه، وكان على إمرة الجيش في القادسية وغير ذلك من الفتوحات التي حصلت على يديه رضي الله عنه وأرضاه، فقد عُمَّر وانتفع به أقوام دخلوا في هذا الدين، وتضرر به آخرون قتلوا وهم كفار في إمارته وفي قيادته لبعض الجيوش في خلافة عمر رضي الله عنه وأرضاه.

(أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا، قال: فبالشطر -أي النصف-؟ قال: لا، قال: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير) معناه: أنه ليس الثلث بقليل؛ لأنه يريد أن يوصي بشيء كثير، فهو لما انتهى إلى الثلث قال: (والثلث كثير) يعني: هذا الذي أذن له في أن يوصي به كثير وليس بقليل.

وهذا يدل على أن الإنسان عندما يوصي بشيء من ماله لا يجوز له الزيادة عن الثلث، وهذا هو الذي أراده المصنف من قوله: [ما لا يجوز للموصي في ماله] بمعنى: أنه لا يجوز له أن يزيد عن الثلث، وإن نقص عن الثلث لا بأس، لكن الذي لا يجوز هو الزيادة على الثلث.

قوله: (إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

بين فيه صلى الله عليه وسلم الحكمة من كون الإنسان لا تزيد وصيته عن الثلث إلى الثلثين أو النصف أو ما فوق الثلث، قال: (إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) يعني: كونك تجعل عندهم شيئاً يغنيهم -سواء كان الذي يرث بالفرض وهما ابنتاه، أو الذي يرث بالتعصيب وهم قرابته الذين يعصبونه- خير من أن تذرهم عالة على غيرهم فقراء، والعائل هو الفقير، قال الله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى:٨] يعني: فقيراً فأغناه الله عز وجل، إنك أن تذرهم أغنياء بما تخلفه لهم من المال خيراً من أن تذرهم عالة يسألون الناس بأكفهم، ويمدون أيديهم للناس يستجدون لحاجتهم، ووجود مال لهم يغنيهم عن السؤال خير لك.

(وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت بها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك) معناه: أن الإنسان حتى في الأمور التي للنفس فيها حظوظ إذا احتسب الأجر عند الله عز وجل فإنه يؤجر على ذلك، بل الأمور الواجبة على الإنسان من النفقات الواجبة من الناس من يحتسب الأجر ويرجو الثواب، ومنهم من يكون غافلاً عن ذلك ولا يفكر، ومن الناس من يمنع الحق الواجب عليه، ولا يخرج إلا عن طريق القاضي أو السلطان، مثل هذا لا يحصل أجراً على النفقة التي ألزم بها من جهة السلطان وهو غير منشرح الصدر لها، والإنسان الذي يؤدي ما هو واجب عليه، وما هو متعلق بحظ نفسه حتى مع أهله وزوجته فإنه يكون مأجوراً على ذلك.

(قلت: يا رسول الله! أتخلف عن هجرتي؟ قال: إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة).

قال رضي الله عنه: [أتخلف عن هجرتي؟]؛ لأنه كان من المهاجرين، والمهاجرون تركوا أوطانهم لله عز وجل، فهم لا يحبون أن يموتوا في البلد الذي هاجروا منه، وإنما يحبون أن يموتوا في البلد الذي هاجروا إليه، فقال: [أتخلف عن هجرتي؟]، فهو يخشى أن يموت بمكة فيكون مات في البلد الذي هاجر منه، ويحب أن يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولهذا جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال في سفر: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل وفاتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم)، فهو يريد أن يموت في مكان هجرته، وفي الدار التي هاجر إليها، وقد تحقق ذلك؛ فحصلت له الشهادة، وحصل أن مات في دار هجرته مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكرمه الله بالدفن بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوار أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكانوا يكرهون أن يموتوا في الدار التي هاجروا منها وهي مكة.

وهذا عام في كل الذين تركوا أوطانهم، أما في ذلك الزمن فلا هجرة بعد فتح مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، ولكن الإنسان إذا هاجر من بلد كافر إلى بلد مسلم فلا شك أن كونه يموت في دار هجرته أحسن من كونه يموت في البلد الذي هاجر منه.

(إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملاً صالحاً تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة).

أخبر صلى الله عليه وسلم أنه إن يخلف ويعيش بعده؛ فإن زيادة عمره يحصل بها زيادة أجر وزيادة ثواب وزيادة عمل، فيحصل رفعة وثواباً عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان إذا وفق لأن يطول عمره ويحسن عمله فإن ذلك من الخير له، وكونه يطول عمره ويحسن عمله فعلى مر الأيام والسنين يعمل أعمالاً صالحة يؤجر عليها ويثاب.

قوله: (لعلك أن تخلف) يعني: تعيش (فينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون)، وكان أشفى على الموت في ذلك المرض، وقد وقع ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه عاش مدة طويلة، وانتفع به أناس وتضرر به أناس، فأناس دخلوا في الدين الإسلامي على يديه وبقيادة الجيوش التي ذهبت في الجهاد في سبيل الله، ومنهم من مات على الكفر على أيدي المجاهدين في سبيل الله الذين هو على رأسهم؛ فتضرر به أناس وانتفع به أناس كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، فقد أخبر عن أمر يقع وقد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

[(ثم قال: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم)].

يعني: كونهم يبقون على ما صاروا عليه من الهجرة، وأن يموتوا في دار هجرتهم، وألا يعودوا إلى البلد الذي هاجروا منه، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الحج يأمر الناس بأن يقيموا ثلاثة أيام ثم ينصرفوا عن دار هجرتهم التي هاجروا منها، إلى الدار التي هاجروا إليها وهي المدينة.

(اللهم أمض لأصحابي هجرتهم) يعني: أنهم يبقون على هجرتهم وأن يموتوا في غير البلد الذي هاجروا منه حتى تتحقق لهم الهجرة.

ثم بعد ذلك قال: (لكن البائس سعد بن خولة).

سعد بن خولة من المهاجرين، قيل: إنه لم يهاجر ومات بمكة، وقيل: إنه هاجر ورجع إلى مكة ومات بها فلم يحصل أن مات في الدار التي هاجر إليها.

ثم قال راوي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص أو الزهري: [يرثي له]؛ لأنه ما حصل له كالذي حصل لغيره من أنه يموت في الدار التي هاجر إليها، بل مات في الدار التي هاجر منها، ومعناه: أنه فاته ما حصل لغيره ممن كملت هجرته ومات في دار هجرته فكان أقل منه.

<<  <  ج:
ص:  >  >>