للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإسلام على يديه، واعتزاز أهل الأندلس بفيئته، راح بالمغرب إلى نعمة أخرى من ظهور أوليائه وحسم أدواء الفساد في دولته، شفعت مواهب السعادة، وأجملت [١] عوائد الصنع، وذلك أنّ صبابة بني عبد المؤمن وفلّهم، لمّا فرّوا من مراكش عند الفتح لحقوا بجبل تين ملّل جرثومة أمرهم، ومنبعث دعوتهم. وملاحد خلفائهم، وحضرة سلفهم، ودار إمامهم، ومسجد مهديّهم. كانوا يعكفون عليه متيّمنين بطيره، ملتمسين بركة زيارته، ويقدمون ذلك أمام غزواتهم قرية بين يدي أعمالهم يعتدّونها من صالح مساعيهم. فلما خلص الفلّ إليه اعتصموا بمعقله وآووا إلى ركونه، ونصبوا للقيام بأمرهم عيصا من أعياص خلفاء بني عبد المؤمن ضعيف المنبه [٢] خاسر الصفقة من مواهب الحظ، وهو إسحاق أخو المرتضى. وبايعوه سنة تسع وستين وستمائة يرجون منه رجع الكرّة، وإدالة الدولة، وكان المتولي لكبر ذلك وزير دولتهم ابن عطّوش.

ولما عقد السلطان يعقوب بن عبد الحق لمحمد بن علي بن محلى على أعمال مراكش، لم يقدّم عملا على محاربتهم، وتخذيل الناس عنهم، واستمالة أشياعهم. وجمعوا له سنة أربع وسبعين وستمائة على غرّة ظنّوها، فأوقع بهم وفلّ من غربهم. ثم صمد إلى الجبل لشهر ربيع من سنته فافتضّ عذرته وفضّ ختامه، واقتحمه عليهم عنوة بعد مطاولة النزال والحرب. وهلك الوزير ابن عطوش في جوانب الملحمة، وتقبّض على خليفته المستضعف. وابن عمّه أبي سعيد ابن السيّد أبي الربيع ومن معهما من الأولياء. وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة بمراكش، فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم. وكان فيمن قتل منهم كاتبه القبائلي وأولاده، وعاثت العساكر في جبل تينما [٣] واكتسحت أمواله. وبعثرت قبور خلفاء بني عبد المؤمن. واستخرج شلو يوسف وابنه يعقوب المنصور، فقطعت رءوسهم. وتولى كبر ذلك أبو علي الملياني النازع إلى السلطان أبي يوسف من مليانة عش غوايته ومواطن انتزائه كما قدّمناه وكان السلطان أقطعه بلاد أغوات إكراما لوفادته، فحضر هذه الغزاة في جملة العساكر


[١] وفي نسخة ثانية: وأكملت.
[٢] وفي نسخة ثانية: ضعيف المنية.
[٣] تين ملل: جبال بالمغرب بها قرى ومزارع يسكنها البرابرة، بين أوّلها ومراكش، سرير ملك بني عبد المؤمن، نحو ثلاثة فراسخ، بها كان أول خروج محمد بن تومرت المسمّى بالمهديّ الّذي أقام الدولة.

<<  <  ج: ص:  >  >>